तफ़सीर
تفسير الجيلاني
عليك أيها الموحد المحمدي، الداخل في سفينة الشريعة المصطفوية المنجية لنفسك عن طوفان القوى البشرية، وطغيان اللذة البهيمية المانعة عن التلذذ باللذات المعنوية الروحانية أن تتشبث بذيل همة المرشد الكامل، المكمل الذي يرشدك إلى سرائر الشريعة وحكم الأحكام الموردة فيها، مصالح الأوامر والنواهي بإرادة صادقة، وعزيمة خالصة عن شوب الرياء والرعونات العائقة عن الميل الفطري، والفطنة الجبلية التي جبل الناس عليها، إذا خلى طبعه بلا تصرف من شياطين الوهم والخيال، وجنود الأمارة على مقتضى القوى.
وفقنا الله لما يجب ويرضى، وجنبنا عن إلميل إلى البدع والهوى.
[72 - سورة الجن]
[72.1-7]
{ قل } يا أكمل الرسل لمن أنكر رسالتك على الثقلين: { أوحي إلي } من قبل الحق { أنه استمع } عند قراءتك القرآن { نفر } طائفة، وهو يطلق على ما بين الثلاثة إلى العشرة { من الجن } وهو جنس من جنود الحق ومظاهره، كجنس الملك، لا مناسبة بيننا وبينهم حتى ندركهم ونعرف حقيقتهم، وما لنا إلا الإيمان بوجودهم وبأمثالهم؛ إذ ما يعلم جنود الحق إلا هو، ولا يسع لنا الإنكار، سيما بعد ورود القرآن على وجودهم وتحققهم.
وبعدما سمعوا القرآن، ورجعوا إلى أصحابهم { فقالوا إنا سمعنا } من إنسان { قرآنا } كتابا { عجبا } [الجن: 1] بديعا نظما وأسلوبا، غريبا معنى ودلالة، حاويا للمعارف والحقائق الإلهية، محتويا على دقائق طريق التوحيد والعرفان، ما هو من جنس كلام البشر، بل هو خارج عن مداركهم، متعال عن مشاعرهم.
{ يهدي إلى الرشد } والهداية الموصلة إلى مقصد الوحدة الذاتية { فآمنا به } واهتدينا بهديته إلى توحيد الحق { ولن نشرك } أبدا { بربنآ } الذي وفقنا على توحيده { أحدا } [الجن: 2] من مظاهره ومصنوعاته؛ إذ المصنوع المربوب لا يصير شريكا للرب الصانع القديم.
{ و } كيف يكون للرب الواحد الأحد الصمد شريكا، مع { أنه تعالى } تبارك وتقدس { جد ربنا } أي: عظمته وكبرياؤه من أن يكون له شريك في ملكه وملكوته، مع أنه الصمد الذي { ما اتخذ صاحبة ولا ولدا } [الجن: 3] فيكف يتخذ شريكا، مع أ،ه هو الواحد الأحد الصمد على الإطلاق، لم يكن له شريك في الملك ونظير في الوجود؟! فكبره تكبيرا، ونزه ذاته عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
{ و } بعدما آمنا بوحدة الحق وعرفناه وحيدا فريدا بلا شبيه ولا نظير، ولا وزير ولا مشير، عرفنا { أنه } ما { كان يقول سفيهنا } إبليس المردود المطرود { على الله } المقدس ذاته عن مطلق المماثلة والمشاكلة في الوجود القيومية، وسائر الصفات الذاتية المصححة للألوهية والربوبية قولا { شططا } [الجن: 4] باطلا بعيدا عن الحق بمراحل، مجاوزا عن الحد في الإفراط، تعالى شأنه عما ينسب إليه المبطلون المفرطون.
{ وأنا } كنا قبل انكشافنا بوحدة الحق، وتحققنا بمرتبة الشهود { ظننآ أن } أي: إنه { لن تقول الإنس والجن } أي: جنس الإنس والجن المجبولين على فطرة العبودية والعرفان { على الله } المعبود على الإطلاق { كذبا } [الجن: 5] قولا زورا باطلا على سبيل الافتراء والمراء؛ لذلك اتبعناهم فيما قالوا ظلما وعدوانا، وبعدما ظهر الحق، وكوشفنا بحقيقة الأمر تبرأنا عنهم وعن أقوالهم، وتبنا إلى الله، والتجأنا بكنف حفظه وجواره.
अज्ञात पृष्ठ