तफ़सीर
تفسير الجيلاني
{ ذلك } المذكور من الأحكام { أمر الله } العليم الحكيم { أنزله إليكم } أيها المكلفون؛ ليصلح مفاسدكم المتعلقة بحكم الطلاق { ومن يتق الله } المنتقم الغيور، ولم يتجاوز عن مقتضى أمره المبرم، وحكمه المحكم { يكفر عنه سيئاته } يتغليب حسناته عليها { ويعظم له أجرا } [الطلاق: 5] بتضعيف حسناته أضعافا كثيرة.
{ أسكنوهن } أي: المطلقات { من حيث سكنتم } أيها المطلقون { من وجدكم } أي: من وسعكم، ومقتضى طاقتكم من ملك، وإجارة وإعارة { ولا تضآروهن } في السكنى { لتضيقوا عليهن } حتى يضطررن إلى الخروج { وإن كن } أي: المطلقات { أولات حمل } منكم أيها المطلقون { فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } فيخرجن من العدة، وهذا الحكم؛ أي: الإنفاق على المعتدة مخصوص بأولات الأحمال من المعتدات؛ إذ الإنفاق حقيقة إنما هي لأولات الأولاد دون غيرهن من المعتدات؛ إذ لا سبب توجبها.
وإذا وضعن { فإن أرضعن لكم } أولادكم بعد رفع رابطة النكاح { فآتوهن أجورهن } على الإرضاع، مثل سائر المرضعات الأجنبيات، ولا تعللوا بكونهن أمهات للرضيع { وأتمروا بينكم } أي: ليأمر بعضكم بعضا أيها المؤمنون في إرضاع المطلقة ولدها من المطلق { بمعروف } مستحسن، مقبول شرعا من إعطاء الأجرة الكاملة، والزيادة عليها مراعاة للمروءة { وإن تعاسرتم } وتضايقتم في الأجرة عليها { فسترضع له أخرى } [الطلاق: 6] غيرها، إلا أن المروءة تأبى عن أن تعرض الأم من إرضاع ولدها؛ إذ هي أولى به من غيرها.
{ لينفق } على المعتدة الحاملة { ذو سعة } ويسر { من سعته } ومقدار وسعه وطاقته على مقتضى نفقتها قبل الفرقة { ومن قدر } وضيق { عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله } من الرزق بلا جبر وتحميل، إنه { لا يكلف الله } المنعم الحكيم { نفسا إلا } مقدار { مآ آتاها } وساق لها من الرزق الصوري؛ إذ { سيجعل الله } المنعم المفضل { بعد عسر } دنيوي { يسرا } [الطلاق: 7] حقيقيا أخرويا، فاليسر في الآخرة أولى من الدنيا وما فيها.
[65.8-12]
ثم قال سبحانه على وجه الوعيد للموسرين: { وكأين من قرية } أي: كثيراص من أهل قرية { عتت } أعرضت واستكبرت { عن أمر ربها و } متابعة { رسله } المرسلين من عنده إياها اتكالا على ما عندهم من المال والثروة، والتفاخر على الأقران، والتفوق عليهم بأنواع النخوة والعدوان { فحاسبناها حسابا شديدا } أي: عن القليل والكثير، والنقير والقمطير { و } بعدما حاسبناها كذلك { عذبناها عذابا نكرا } [الطلاق: 8] منكرا فجيعا فظيعا؛ والمراد: حساب النشأة الأخرى وعذابها، عبر بالماضي؛ لتحقق وقوعها.
{ فذاقت } حينئذ { وبال أمرها } أي: إعراضها عن الله وأهله ذوقا محيطا بها، بحيث لا يخلو من العذاب شيء من أعضائها وأجزائها { و } بالجملة: { كان عاقبة أمرها } الذي كان عليه في النشأة الأولى { خسرا } [الطلاق: 9] في النشأة الأخرى، وأي خسر لا خسر أشد منه وأكبر، وهو حرمانهم عن عز والقبول الإلهي، وانحطاطهم عن رتبة الخلافة والنيابة.
وبالجملة: { أعد الله لهم عذابا شديدا } في العاجل والآجل { فاتقوا الله يأولي الألباب } واعتبروا مما جرى على أولئك الغواة الطغاة، الهالكين في تيه العتو والعناد من وخامة عاقبتهم، ورداءة خاتمتهم، واعلموا أيها المعتبرون { الذين آمنوا } بوحدة الحق وبتصديقه رسله { قد أنزل الله } المدبر لمصالحكم { إليكم ذكرا } [الطلاق: 10] ناشئا منكم، مذكرا لكم أصل مبدئكم ومنشئكم، وكذا مرجعكم ومعادكم.
ولهذا جعله سبحانه { رسولا } مرسلا من عنده إليكم؛ لإرشادكم وتكميلكم { يتلوا عليكم آيات الله } الدالة على وحدة ذاته، وكمال أسمائه وصفاته { مبينات } مشروحات موضحات كل ذلك { ليخرج الذين آمنوا } بالله على وجه الإخلاص { وعملوا الصالحات } المؤكدة لإيمانهم { من الظلمات إلى النور } أي: الظلمات الحاصلة من تراكم الكثرات، وتتابع الإضافات الناشئة من الأوهام والخيالات الباطلة إلى نور الوجود الذي هو الوحجدة الذاتية المسقطة لعموم الإضافات مطلقا.
{ و } بالجملة: { من يؤمن بالله } ويوقن بوحدته { ويعمل صالحا } طلبا لمرضاته { يدخله } سبحانه بمقتضى فضله ولطفه { جنات } منتزهات العلم والعين والحق { تجري من تحتها الأنهار } المترشحة دائما من البحر المحيط الذي هو حضرة العلم الإلهي، ولوح قضائه المشتمل على عموم الكوائن والفواسد الجارية في فضاء الوجود مطلقا { خالدين فيهآ أبدا } لا يتحولون منها أصلا، وبالجملة: { قد أحسن الله له رزقا } [الطلاق: 11] صوريا ومعنويا.
अज्ञात पृष्ठ