800

तफ़सीर

تفسير الجيلاني

शैलियों
Exegesis and its principles
साम्राज्य और युगों
सल्जूक

{ فلما زاغوا } ومالوا عن الحق، وانحرفوا عن مقتضى الفطرة الأصلية الإلهية { أزاغ الله } المقلب للقلوب { قلوبهم } وصرفها عن قبول الحق والميل إليه فضلوا عن سواء السبيل، واستحقوا الويل العظيم، والعذاب الأليم { و } بالجملة: { الله } العليم الحكيم { لا يهدي القوم الفاسقين } [الصف: 5] الخارجين عن مقتضى الفطرة الأصلية التي هي الهداية الموصلة إلى معرفة الحق وتوحيده.

[61.6-9]

{ و } اذكر لهم يا أكمل الرسل أيض وقت { إذ قال } أخوك { عيسى ابن مريم } مناديا لقومه { يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم } أرسلني؛ لإرشادكم إلى طريق الحق وصراط توحيده؛ لأكون { مصدقا لما بين يدي من التوراة } المنزلة من عنده سبحانه؛ لضبط ظواهر الأحكام والأخلاق المستتبعة لتهذيب الباطن عن مطلق الزيغ والضلال، المنافية لصفاء مشرب التوحيد { ومبشرا } أيضا، أبشركم { برسول } كامل في الرسالة، متمم لمكارم الأخلاق { يأتي من بعدي } مظهر لتوحيد الذات، خاتم لأمر الرسالة والتشريع { اسمه أحمد } سمي به صلى الله عليه وسلم؛ لكون حمده أتم وأشمل من حمد سائر الأنبياء والرسل؛ إذ محامدهم لله إنما هو بمقتضى توحيد الصفات والأفعال، وحمده صلى الله عليه وسلم بحسب توحيد الذات المستوعب لتوحيد الأفعال والصفات.

وبعدما أظهر عيسى - صلوات الله عليه - دعوته طالبوه بالبينة الدالة على صدقه { فلما جاءهم بالبينات } الواضحات، والمعجزات الساطعات التي هي أكثر من معجزات موسى؛ وبعدما رأوا منه ما رأوا من الخوارق التي ما ظهر مثلها من الأنبياء بادروا إلى تكذيبه مكابرة وعنادا، حيث { قالوا هذا } أي: عيسى عليه السلام، أو ما جاء به من المعجزات { سحر مبين } [الصف: 6] ظاهر كونه سحرا، أو كماله في السحر إلى حيث كأنه تجسم منه، وليس تكذيبهم إياه - صلوات الله عليه - بعد وضوح البرهان، ونسبته إلى شيء لا يليق بشأنه إلا خروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة؛ لأداء حقوق العبودية.

{ ومن أظلم } وأشد خروجا عن مقتضى الحدود الإلهية { ممن افترى على الله } الحكيم المتقن في أفعاله { الكذب } ونسب ما أنزله سبحانه من المعجزات الدالة على صدق رسوله المؤيد من عنده بالنفس القدسية، والمبعوث إلى الناس؛ ليرشدهم إلى طريق توحيده { و } الحال أنه { هو } أي: المفتري الظالم { يدعى إلى الإسلام } المتقدس عن جميع الآثام لو قبله وصدقه، وامتثل بما فيه من الأوامر والنواهي، وهو من غاية عتوه وعناده في موضع الإجابة والقبول يرده ويكذبه، ونيسب معجزات الداعي إلى السحر والشعبذة مراء وافتراء { و } بالجملة: { الله } المطلع على ما في استعدادات عباده { لا يهدي القوم الظالمين } [الصف: 7] الخارجين عن مقتضى الفطرة الأصلية الإلهية التي فطر الناس عليها، ذلك الدين القيم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون؛ لذلك يخرجون.

وليس غرضهم من هذا الافتراء والتكذيب بعد وضوح ظهور الحجج الواضحة، والبراهين الساطعة إلا أنهم { يريدون } بفتنتهم هذه { ليطفئوا نور الله } الواحد الأحد الصمد، المتشعشع من مطالع عموم الكائنات، ومشارق جميع الذرات، ألا وهو دين الإسلام المنزل على خير الأنام؛ لتبيين توحيد الذات { بأفوههم } أي: بمرجد قولهم الباطل، الزاهق الزائل بلا مستند عقلي أو نقلي، فكيف عن كشفي وشهودي { والله } المتعزز برداء العظمة والكبرياء { متم نوره } مبالغ في إشاعته وإشراقه غايتها { ولو كره الكفرون } [الصف: 8] ظهوره وشيوعه إرغاما لهم وإذلالا؟!

وكيف لا يتم سبحانه شيوع نور وحدته الذاتية { هو الذي أرسل رسوله } محمدا صلى الله عليه وسلم ولمصلحة هذا التتميم والتكميل، وأيده { بالهدى } والقرآن العظيم { ودين الحق } والملة الحنيفية السمحة البيضاء المورودة له من جده إبراهيم { ليظهره } ويغلبه؛ أي: الدين القويم، المبين لصراط الحق وطرق توحيده الذاتي { على الدين كله } أي: على عموم الملل والأديان الواردة؛ لبيان توحيد الصفات والأفعال { ولو كره المشركون } [الصف: 9] ظهور توحيد الحق؛ لما فيه من طقع عرق الشرك جليا كان أو خفيا؟!

[61.10-13]

ثم قال سبحاه بعدما أشار إلى ظهور دين الإسلام، وإعلاء كلمة التوحيد حثا على المؤمنين، وترغيبا لهم إلى ترويج الدين القويم الذي هو الصراط المستقيم، الموصل إلى مرتبة حق اليقين: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم } [الصف: 10] كأنه قيل: ما التجارة المنقذة المنجية؟.

قال سبحانه: { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله } لترويج دينه، وإعلاء كلمة توحيده { بأموالكم } ببذلها في الخطوب { وأنفسكم } بالاقتحام على الحروب { ذلكم } الذي ذكر من الإيمان والجهاد { خير لكم } ونفعه عائد إليكم { إن كنتم تعلمون } [الصف: 11] ما هو أصلح لكم، وأنفع في نشأتكم الأولى والأخرى.

अज्ञात पृष्ठ