तफ़सीर
تفسير الجيلاني
{ أم يقولون افتراه } أي: بل انصرفوا عن سبته إلى السحر إلى أفحش من ذلك، وهو الافتراء فيقولون: اختلفه هذا المدعي من تلقاء نفسه ونسبه إلى ربه تغريرا وترويجا { قل } لهم أكمل الرسل بعدما نسبوا كتابك إلى الفرية كلاما ومفصحا لهم عن حقيقة الأمر وحقيته لو تأملوا فيه: { إن افتريته } واختلقته من عندي ونسبته إلى الله زورا وبهتانا، فيأخذني العزيز بإثم الافتراء ألبتة، وإن أخذني { فلا تملكون } ولا تدفعون { لي من الله شيئا } حين أخذني وانتقم، وبالجملة: { هو } سبحانه { أعلم } بعلمه الحضوري { بما تفيضون } وتخوضون { فيه } أي: في كلامه بما يليق به وبشأنه سبحانه من نسبته إلى السحر والافتراء وتكذيبه بأنواع وجوه المراء { كفى به } أي: كفى الله { شهيدا بيني وبينكم } أي:بيننا يجازينا على مقتضى علمه وخبرته بي وبكم { وهو الغفور } المبالغ في الستر والعفو لمن استغفر له { الرحيم } [الأحقاف: 8] لمن تاب ورجع نحوه نادما عن ما صدر عنه، يقبل توبته ويمحو زلته.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما اقترحوا عليك من الآيات التي تهواها نفوسهم ليلزموك ويعجزوك: { ما كنت بدعا } رسولا بديعا { من } بين { الرسل } مبتدعا أمرا غريبا مدعيا الإتيان، بل { و } الله { مآ أدري } وأعلم بحال نفسي { ما يفعل بي } وكيف يصنع معي { ولا بكم } أي: وكيف بما يصنع بكم، بل أن { أتبع } أي: ما أتبع { إلا ما يوحى إلي } من قبل ربي ويطلعني عليه { و } بالجملة: { مآ أنا إلا نذير } من قبل احق { مبين } [الأحقاف: 9] مبين موضح مظهر لكم بإذنه ما أوحى إلى من وحيه، وما لي إلا التبليغ والإنذار، والتوفيق من الله العليم الحكيم.
[46.10-12]
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما أقر رأيهم على أن القرآن مختلق من عندك، افتريته على الله، أو سحر نسبته إلى مالله تغريرا وترويجا: { أرأيتم } أخبروني أن { كان } القرآن { من عند الله } العليم العلام { وكفرتم به } بلا مستند لكم في تكذيبه وإنكاره { و } الحال أنه قد { شهد شاهد } حبر ماهر { من بني إسرائيل } عالم بالتوراة { على مثله } أي: على مثل ما في القرآن، يعني: أقر واعترف عبد الله بن سلام أنه قرأ في التوراة أحكاما وأوامر مثل في القرآن، ووجد فيها من أوصاف القرآن ما يلجئه إلى الإيمان به { فآمن } به وصدق من أنزل إليه، وامتثل بما فيه { واستكبرتم } أنتم عن الإيمان والقبول، بل كذبتم به، وأنكرتم عليه ألستم قوما ضالين ظالمين؟! { إن الله } المطلع على ما في استعدادات عباده { لا يهدي القوم الظالمين } [الأحقاف: 10] الخارجين عن مقتضى حدوده إلى زلال هدايته وتوحيده.
{ و } من شدة شقاقهم ونفاقهم { قال الذين كفروا للذين آمنوا } أي: لأجلهم وفي حقهم { لو كان } الإيمان وبما أتى به محمد من الدين { خيرا } مما نحن عليه { ما سبقونآ إليه } بأنواع الكرامة والجاه والثورة إذا هو ومن تبعه كلهم أراذل سقاط رعاة فقراء، فاقدين لوجه الكفاف، ونحن أغبياء ذوو الحظ من الناس، إنما قالته قريش حين افتخروا على المؤمنين وقصدوا إضلالهم وإذلالهم { و } لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبعنادهم بك وبكتابك { إذ لم يهتدوا به } أي: بالقرآن { فسيقولون } من جهلهم وضلالهم: { هذآ إفك قديم } [الأحقاف: 11] وأساطير الأولين.
{ و } عليك يا أكمل الرسل أن لا تلتفت إلى هذياناتهم وأباطيلهم؛ إذ جاء { من قبله } أي: قبل كتابك { كتاب موسى } أي: التوراة حال كونه { إماما } مقتدى لقاطبة الأنام { ورحمة } شاملة فوائدها على كافة الخواص والعوام { وهذا } الكتاب الذي نزل عليك يا أكمل الرسل { كتاب مصدق } لجميع ما مضى من الكتب السالفة { لسانا عربيا } أسلوبا ونظما، إنما جاء كذلك { لينذر } التفسير هنا على قراءة ابن عامر ونافع وغيرهما بما فيه من الوعيدات الهائلة { الذين ظلموا } خرجوا عن مقتضى العدالة الإلهية بمتابعة آرائهم الباطلة المنحرفة عن صراط الحق الحقيق بالإطاعة والاتبا { و } ليصير { بشرى } بما فيه من أنواع المواعيد الدالة على كرامة الحق وإحسانه { للمحسنين } [الأحقاف: 12] من خلص عباده.
[46.13-15]
إن المحسنين { إن الذين قالوا } بعدما تحققوا بمقام العبودية { ربنا الله } الواحد الأحد الصمد المستقل بالألوهية والربوبية { ثم } بعدما تمكنوا من مقر التوحيد وتمرنوا عليه { استقاموا } فيه ورسخوا بمحافظة الآداب الشرعية والعقائد الدينية الموضوعة لتأييد أرباب المعرفة، وتمكينهم على جادة التوحيد؛ لئلا يطرأ عليهم التزلزل والانحراف عن صراط الحق وسواء سبيله { فلا خوف عليهم } بعدما وصلوا إلى مقر التمكين { ولا هم يحزنون } [الأحقاف: 13] عن التردد والتلوين، وبالجملة: { أولئك } السعداء المقبولون عند الله { أصحاب الجنة } المعدة لأرباب العناية { خالدين فيها } بلا تبديل ولا تحويل، وإنما جوزوا { جزآء بما كانوا يعملون } [الأحقاف: 14] من الإحسان مع الله بمراعاة الأدب معه سبحانه بملازمة الطاعات والعبادات على وجه الإخلاص والتسليم، ومع عمود عباده بحسن المعاشرة والمصاحبة وأداء حقوق المؤاخاة والموالاة.
ثم اشار سبحانه إلى معظم أخلاق المحسنين المستحقين بخلود الجنة بالفوز العظيم فيها، فقال: { ووصينا الإنسان } أي: ومن جملة ما ألزمنا على الإنسان الاتصاف به والمحافظة عليه حتما إكرامه { بولديه إحسانا } لهما وحسن الأدب معهما، أداء لحقوق تربيتهما وحضانتهما له، وكيف لا يحسن إليهما؛ إذ { حملته أمه } لأجله حين حبلت به { كرها } مشقة عظيمة، وألما شديدا، وحملا ثقيلا { و } حين { وضعته } أيضا { كرها } أشد من شمقة الحمل، وأكثر ألما منها { و } ليست مشقتها ومقاساتها زمانا قليلا، بل { حمله } أي: من حمل أمة إياه في بطنها { وفصله } أي: مدة فطامه عن لبنها كلاهما { ثلثون شهرا } وهي مدة طويلة، ثم بعد فطامه أيضا تلازم حفظه وحضانته { حتى إذا بلغ أشده } وكمل عقله ورشده { وبلغ أربعين سنة } إذ القوة العاقلة إنما تكاملت دونها، لهذا قيل: لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين إلا نادرا؟
{ قال } بعدما تذكر نعم الحق الفائضة عليه من بدء فطرته إلى أوان رشده وكماله مناجيا مع ربه مستمدا منه: { رب أوزعني } أي: أولعني وحرصني بتوفيقك إياي { أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي } طل دهري وأواظب على أداء حقوقها حسب طاقتي وقدر قوتي { و } كذا أشكر نعمتك التي أنعمت { على والدي } إذ أداء حقوقهما، وما لزم عليهما من حقوق نعمك عليك واجبة علي { و } كذا حرصني بمقتضى كرمك وجودك { أن أعمل صلحا } مطلقا على الوجه الذي { ترضه } عني { و } بالجملة: { أصلح لي } بمقتضى كرامتك علي عملي، واجعل بفضلك صلاحي ساريا { في ذريتي } ليكونوا صلحاء مثلي، وارثين مستحقين لكرامتك وعنايتك بهدايتهم وصلاحهم { إني تبت } ورجعت { إليك } عن جميع ما لا يرضيك من عملي؛ إذ أنت أعلم مني بحالي { من المسلمين } إليك يا رب { وإني } [الأحقاف: 15] المنقادين لك، المطيعين لحكمك، المفوضين أمورهم كلها إليك؛ إذ لا مقصد لنا غيرك ولا مرجع سواك.
अज्ञात पृष्ठ