तफ़सीर
تفسير الجيلاني
وبالجملة: { تلك } الآيات المجملة الكلية { ءايت الله } أي: بعض آياته الدالة على نبذ من كمالاته، وإلا فلا يفي درك أحد من عباده لتفصيل كمالاتها كلها { نتلوها } ونقصها { عليك } يا أكمل الرسل تأييدا لأمرك وتعظيما لشأنك ملتبسة { بالحق } بلا ريب فيه وتردد، وإنما نتلوها عليك لتبين لهم بها طريق توحيدنا، وتنبههم على وحدة وكمالات أسمائنا وصفاتنا { فبأي حديث } أي: فهم بأي كلام وقول { بعد } نزول كتاب { الله وءايته } المنزلة من عنده المبينة لتوحيده { يؤمنون } [الجاثية: 6] يذعنون ويوقنون.
[45.7-11]
وبعدما وضح محجة الحق واتضح دلائل توحيده: { ويل } عظيم وهلائك شديد { لكل } مفتر كذاب { أفاك أثيم } [الجاثية: 7] منغمس في الإثم والعدوان، مغمور في العناد والطغيان، إلى حيث: { يسمع ءايت الله } الدالة على عظمة ذاته حين { تتلى عليه } مع كمال وضوحها وسطوعها { ثم يصر } يقيم ويديم على ما هو عليه من الكفر والضلال { مستكبرا } بلا علة وسند سوى العناد والاستكبار، ويصير من نهاية عتوه وعناده حين يسمعها { كأن لم يسمعها } اغترارا بما عنده من الجاه والثروة، وبالجملة: { فبشره } يا أكمل الرسل على إصراره وعناده { بعذاب أليم } [الجاثية: 8] في غاية الإيلام، وهو انحطاطه عن رتبة الخلافة الإنسانية؛ إذ لا عذاب عند العارف أشد من ذلك.
{ و } من نهاية استكباره واغتراره { إذا علم من ءايتنا } الدالة على ضبط الظواهر وتهذيب البواطن { شيئا } أي: آية { اتخذها } وأخذها من غاية تكبره وتجبره { هزوا } محل استهزاء وسخرية يستهزأ بها ويتهكم عليها { أولئك } البعداء الأفاكون الضالون، المنحرفون عن منهج الحق وصراطه { لهم عذاب مهين } [الجاثية: 9] في الدنيا بإعلاء كلمة الحق وإظهار دين الإسلام على الأديان كلها.
ومع تلك الإهانة العاجلة { من ورآئهم } أي: قدامهم { جهنم } البعد والخذلان، وسعير الطرد والحرمان { و } بالجملة: { لا يغني } ولا يدفع { عنهم } يومئذ { ما كسبوا } وجمعوا من الأموال والأولاد والثروة والجاه { شيئا } من الدفع والإغناء من غضب الله عليهم { و } كذا { لا } ينفعهم { ما اتخذوا من دون الله } الواحد الأحد الصمد، المستقل بالإلوهية، المتفرد بالربوبية { أوليآء } من الأصنام والأوثان، يدعون ولايتهم كولاية الله، ويعبدونهم كعبادته عدوانا وظلما، بل { ولهم عذاب عظيم } [الجاثية: 10] لا عذاب أعظم منه.
بالجملة: { هذا } الذي في كتابك يا أكمل الرسل { هدى } يبين طريق الهداية والرشاد لأهل العناية والتوفيق { و } المسرفون { الذين كفروا بآيت ربهم } المنزلة في كتابك هذا، والتي نزلت في الكتب السالفة { لهم عذاب } نازل ناشئ { من رجز } غضب عظيم من الله المقتدر على أنواع الانتقام { أليم } [الجاثية: 11] مؤلم أشد الإيلام.
[45.12-15]
وكيف تكفرون أيها الجاحدون المسرفون بآيات المنعم المفضل الكريم مع أنه: { الله الذي سخر لكم البحر } وسهل عليكم العبور عنه بأن جعله أملس مستوي السطح، ساكنا على هيئته { لتجري الفلك فيه بأمره } أي: بمقتضى تسخيره وحكمه { و } أنتم تركبون عليها { لتبتغوا } وتطلبوا { من فضله } بالتجارة والاصطياد والغوص، وغير ذلك من الأغراض { و } إنما سخر وسهل { لعلكم تشكرون } [الجاثية: 12] نعمه، وتواظبون على أداء حقوق كرمه.
{ و } بالجملة: { سخر لكم } وهيأ لتربيتكم وتدبير معاشكم مظاهر { ما في السموت وما في الأرض جميعا } إذ أنتم زبدة الكائنات، وخلاصة الموجودات كل ذلك لكم منتشئة منه سبحانه، مستندة إليه أولا وبالذات ، فعليكم ألا تسندوها إلى الوسائل والأسباب العادية { منه إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون } [الجاثية: 13] في آلاء الله، وسوابغ نعمائه، وكيفية ظهور العالم منه سبحانه وصدروه عنه، وارتباطه له.
ثم قال سبحانه على سبيل العظة والتذكير: { قل } يا أكمل الرسل نيابة عنها: { للذين ءامنوا } تذكره للمؤمنين وتهذيبا لأخلاقهم: اغفروا واصفحوا واعفوا سيما المسيئين؛ ليكون العفو والغفران ديدنة راسخة في نفوسكم حتى { يغفروا للذين } أي: للكافرين الذين { لا يرجون أيام الله } أي: انعكاس الدول وتقبلها عليهم، اغترارا لما عندهم من الثروة والجاه، وإنما أمر سبحانه المؤمنين بالصفح والعفو عن المسيء { ليجزي } سبحانه جزاء حسنا { قوما } من المتخلقين بالعفو عند المقدرة، وكظم الغيظ عند الغضب { بما كانوا يكسبون } [الجاثية: 14] من الإحسان بدل الإساءة؛ لأن { من عمل } عملا { صلحا فلنفسه } أي: يعود نفعه إليه { ومن أسآء فعليها } وبال إساءته { ثم إلى ربكم ترجعون } [الجاثية: 15] جميعا، يحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم بمقتضاها، لكن ما أخذ الله سبحانه عباده إلا بعد أن يرسل عليهم رسلا مبشرين ومنذرين وينزل عليهم كتبا مبينة طريق الهداية والرشاد، فإن اهتدوا فقد فازا بصلاح الدارين وإن اعتدووا فقد ظلوا عن سواء السبيل، واستحقوا بالعذاب الأليم.
अज्ञात पृष्ठ