तफ़सीर
تفسير الجيلاني
ثم أشار سبحانه إلى دناءة زخارف الدنيا وأمتعتها، ورداءة ما فيها من اللذات الوهمية، وما يترتب عنها من الشهوات البهيمية، فقال: { ولولا } مخافة { أن يكون الناس } المجبولون على الكفران والنسيان { أمة واحدة } مائلة إلى الكفر، منحرفة عن الإيمان { لجعلنا لمن يكفر بالرحمن } أي: بسطنا على الكافرين من الزخارف الدنيوية إلى حيث يتخذون { لبيوتهم سقفا } مصنوعة متخذة { من فضة و } كذا يعملون { معارج } ومراقي منها { عليها } أي: على سطوح بيوتهم { يظهرون } [الزخرف: 33] أي: يعلون ويصعدون بتلك المعارج المعمولة بالفضة عليها.
{ و } كذا يعملون { لبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون } [الزخرف: 34] ترفعا وتنعما.
{ و } بالجملة: لوسعنا عليهم حطام الدنيا إلى حيث جعلنا لهم { زخرفا } وزينة من الذهب والفضة يتزينون بها، ويتلذذون بلذاتها الفانية وشهواتها الزائلة الزائفة، المبعدة عن اللذات الباقية الأخروية، لكن لو فعلنا كذلك لمال إليها المسلمون، وتحسروا بما نالوا، فضعف رأيهم في اتباع الدين القويم والصراط المستقيم.
{ و } بالجملة: { إن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا } أي: ما كل ذلك المذكور من المزخرفات الدنيوية إلا متاع الحياة الدنيا الفانية، لا قرار لها، ولا مدار لما فيها، ولما يترتب عليها من اللذات والشهوات { و } النشأة { الآخرة } الباقية الدائمة لذاتها أزلا وأبدا { عند ربك } يا أكمل الرسل حاصلة { للمتقين } [الزخرف: 35] الذين يحفظون نفوسهم وعن التلطخ بقاذورات الدنيا، والركون إلى مزخرفاتها الفانية، سوى سد جوعة لبس خرقة وكن يدفعون بها ضرر الحر والبرد، ولا يميلون إلى ما سواها طلبا لمرضاة الله وهربا عن مساخطه.
{ ومن يعش } أي: يعرض ونصرف { عن ذكر الرحمن } أي: القرآن المبين له طريق الإيمان والعرفان؛ لفرط انهماكه باللذات والشهوات الفانية الدنيوية { نقيض له } ونسلط عليه { شيطانا } يضله ويغويه ويوسوس عليه، ويرديه، وبالجملة: { فهو } أي: الشيطان { له قرين } [الزخرف: 36] دائما، يزين عليه المعاصي والقبائح، ويغريه عليها، إلى أن يدخله في نار القطيعة والحرمان.
[43.37-42]
{ وإنهم } أي: جنود الشياطين وأتباعهم { ليصدونهم } أي: يذبونهم ويصرفونهم؛ أي: أتباعهم { عن السبيل } السوي، الموضوع بالوضع الإلهي، الموصل إلى توحيده { ويحسبون } من فرط عمههم وسكرتهم { أنهم مهتدون } [الزخرف: 37] لهداية قرنائهم من الشياطين، مع أنهم غاوون ضالون بإغوائهم وإضلالهم، ولم يعلموا إضلالهم.
{ حتى إذا جآءنا } أي: الغاشي الأعمى، وعلم ضلاله عنا، وغوايته عن طريقنا { قال } متحسرا متأسفا لقرينه المغوي: { يليت بيني وبينك بعد المشرقين } أي: بعد ما بين المشرق والمغرب { فبئس القرين } [الزخرف: 38] أنت أيها المضل، أضللتني عن الطريق القويم وابتليتني بالعذاب الأليم.
{ و } قيل لهم حينئذ من قبل الحق: { لن ينفعكم اليوم } تمنيكم وأسفكم { إذ } قد { ظلمتم } أنفسكم في نشأة التدارك والتلافي، والآن قد انقرضت، بل { أنكم } وقرناءكم اليوم { في العذاب } النازل عليكم { مشتركون } [الزخرف: 39] كما إنكم كنتم مشتركون في الأسباب الجالبة له في النشأة الأولى.
ثم لما كان صلى الله عليه وسلم يبالغ في إرشاد عشيرته ويتعب نفسه في إهدائهم، رد الله سبحانه على وجه التعجب والتأديب ردعا له عما كان عليه من المبالغة، فقاله مستفهما: { أفأنت تسمع الصم } أي: أأنت تتخيل لنفسك أنك تقدر على إسماع من جبل على الصمم في أصل فطرته { أو تهدي العمي } المجبول على العمى في مبدأ خلقته { و } بالجملة: { من كان في ضلال مبين } [الزخرف: 40] وغواية عظيمة جبلية، كيف تسعى لهدايته، وتبالغ في إرشاده وتكميله؛ إذ ليس في وسعك تغيير الخلقة، وإنما عليك الإنذار والتبليغ فقط، وإلى متى تتعب نفسك وتسعى؟!.
अज्ञात पृष्ठ