तफ़सीर
تفسير الجيلاني
{ وقل } يا أكمل الرسل بعد صفاء سرك وخلاء خلدك عن الأكدار الموجبة للاختلاف: { آمنت بمآ أنزل الله } أي: بجميع ما أنزل لله { من كتاب } مبين موضح لطريق الحق وتوحيده { و } قل بعد ذلك أيضا إظهارا لدعوتك إياهم: { أمرت } من قبل ربي { لأعدل بينكم } وأبين لكم طريق العدالة الإلهية بمقتضى وحي الله وإلهامه إياي، فأنا مأمور بتبليغه وتبيينه إياكم وتربيتكم وتكميلكم؛ إذ { الله } المدبر لأمور عموم عباده { ربنا } الذي ربانا للإرشاد والتكميل { وربكم } أراد أن يربيكم بالهداية والرشاد، وإن لم نكن مأمورين من عنده سبحانه لإهدائكم وإرشادكم ما لنا معكم.
إذ { لنآ أعمالنا } أي: جزاء صالحها وفاسدها { ولكم } أيضا { أعمالكم } كذلك؛ إذ كل منا ومنكم مجزي بما عمل { لا حجة } أي: نزاع ولا خومة { بيننا وبينكم } بعدما بغلناكم ما أمرنا بتبليغه، وأوضحنا لكم طريق الحق، وبالجملة: { الله } أي: الذات المستجمع لجميع الأسماء والصفات { يجمع بيننا } وبينكم، إن تعلق مشيئته بجمعنا { و } كيف لا يجمع بيننا سبحانه { إليه المصير } [الشورى: 15] أي: رجوع الكل إ ليه كما هو صدوره منه.
[42.16-19]
{ و } بعد وضوح محجة الحق ومنهج اليقين { الذين يحآجون } يجادلون ويخاصمون، متشبثين بأذيال الجدال والمغالطات الواهية الزائفة { في } توحيد { الله } سيما { من بعد ما استجيب له } أي: قبله العقل والنقل والكشف الصريح والذوق الصحيح { حجتهم } التي تمسكوا بها { داحضة } زائلة باطلة { عند ربهم } الذي رباهم لمصلحة المعرفة والتوحيد { وعليهم } بسبب عنادهم وجدالهم بالحق الصريح { غضب } نازل من الله { ولهم } في النشأة الأخرى { عذاب شديد } [الشورى: 16] لا عذاب أشد منه وأفزع.
فكيف يحاجون أولئك المعاندون في توحيده سبحانه مع أنه هو { الله } المدبر المصلح لأمور عباده { الذي أنزل } لإصلاحهم { الكتاب } أي: جنس الكتب النازلة من عنده لتبيين مناهج توحيده ملتبسا { بالحق } الصريح المعرى عن الباطل الزاهق الزائل مطلقا { و } أنزل على طبق الكتاب { الميزان } أي: جنس الشرائع والأديا التي توزن بها أعمال الأنام وإخلاصهم فيها، وثباتهم على جادة التوحيد والإسلام، فعليك يا أكمل الرسل وعلى من تبعك امتثال عموم ما أمر ونهى من أحكام كتابك، وأن تزن أنت ومن معك أعمالكم وأخلاقكم وأحوالكم بميزان الشرع القديم والدين المستقيم { و } بالجملة: { ما يدريك } أيها المجبول على الدراية والشعور { لعل الساعة } الموعودة التي تعذرت دونها التدارك والتلافي { قريب } [الشورى: 17] إتيانها وقيامها، وعند قيامها تتندمون وما ينفعكم الندم.
{ يستعجل بها } وبقيامها استهزاء وتهكما { الذين لا يؤمنون } ولا يصدقون { بها } عنادا ومكابرة، ويزعمون ألا يلحقهم ما يوعدون فيها من العذاب الروحاني والجسماني { والذين آمنوا } بها وبما فيها من المواعيد والوعيدات الهائلة، هم { مشفقون } خائفون { منها } ومن إلمامها بغتة قبل تهيئة الإعداد والزاد { و } ذلك؛ لأنهم { يعلمون } يقينا { أنها الحق } المحقق إتيانه وقيامها بلا ريب ومرية { ألا } أي: تنبهوا أيها المؤمنون بكمال قدرة الله ووفور حكمته { إن } المسرفين المكابرين { الذين يمارون } ويشكن { في } قيام { الساعة } الموعود قيامها من قبل الحق مراء ومجادلة { لفي ضلال بعيد } [الشورى: 18] بمراحل عن الهداية الموصلة إلى مقر التوحيد.
إذ هم محجوبون بالأغشية الكثيفة الإمكانية، والأغطية الغليظة الهيولانية، مع أنه { الله } المنزه ذاته عن سمة الحدوث والإمكان، المقدس أسماؤه وصفاته عن وصمة العيب والنقصان { لطيف بعباده } الخلص { يرزق من يشآء } منهم بالرزق المعنوي، الموصل إلى مبدئهم ومعادهم ترحما وتلطفا معهم { و } كيف لا { هو القوي } القادر المقتدر على عموم مقدوراته الصادرة منه بمقضتى حكمته { العزيز } [الشورى: 19] الغالب على مطلق مراداته الجارية منه حسب اختياره.
[42.20-22]
ثم لما أشار سبحانه إلى كمال تنزعه وتقدس ذاته عن وصمة النقصان مطلقا، وإلى كمال ترحمه وتلطفه مع خلص عباده، قال: { من كان } منهم { يريد حرث الآخرة } أي: يزرع في النشأة الأولى بذور الأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة؛ ليحصد ما يترتب عليها من المثوبات والكرامات في النشأة الأخرى { نزد له في حرثه } ونضاعف ثوابها لأجله، ونعطه من اللذات الروحانية ما لا مزيد عليه تفضلا منا وتكريما { ومن كان } منهم { يريد حرث الدنيا } ونوى نماء بذوره فيها { نؤته منها وما له في الآخرة } ولذاتها الباقية { من نصيب } [الشورى: 20] لاختياره لذات الدنيا وشهواتها الفانية على ما في الآخرة من اللذات الروحانية؛ لذلك ما له حظ في الآخر ونصيب من لذاتها.
أهم بأنفسهم يحرمون نفوسهم من اللذات الأخروية والفتوحات الروحانية { أم لهم شركاء } من شياطين الجن والإنس ظاهرهم عليه؛ حيث { شرعوا } وزينوا { لهم من الدين } الباطل والديدنة الزائغة { ما لم يأذن به الله } الحكيم المتقن في أفعاله المدبر لعموم مصالح عباده على مقتضى حكمته، ولم يأمر بوضعه واتخاذه لا بالوحي ولا بطريق الإلهام، بل إنما أخذوا ما أخذوا من تلقاء أنفسهم، وعلى مقتضى أهويتهم الباطلة؛ لذلك لم يتم لهم إلا الخيبة والخذلان والحسرة والحرمان.
अज्ञात पृष्ठ