तफ़सीर
تفسير الجيلاني
ثم أشار سبحانه إلى تزلزل الإنسان، وعدم ثباته على العزيمة الخالصة نحو ربه فقال: { فإذا مس الإنسان ضر } منا مؤلم مزعج إلى التوجه والتحنن إلينا { دعانا } واستكشف عنا الضر على سبيل الإلحاح والاقتراح { ثم } بعد كشفنا عنه ضره { إذا خولناه } أي: أعطيناه ووسعنا عليها { نعمة } تفضلا { منا } وتكريما؛ لنختبر كيف يشكر على دفع الضر وحصول النعمة بعده { قال } حينئذ على سبيل الكفران: { إنمآ أوتيته } من النعم { على علم } مني بوجوه كسبه وجمعه وأرباحه وأخذه.
أو المعنى: ما أوتيت وأعطيت بما أوتيت إلا سبب علمي بوجوه جمعه وتحصيله، لا من حيث لا أحتسب، هكذا يقول من الهذيانات الدالة على الكفران والطغيان، مع أن نعمته ما هي إلى نعمة في نفسها { بل هي فتنة } ابتلاس منا إياه، واختبار لننظر أيشكر أم يكفر؟ { ولكن أكثرهم لا يعلمون } [الزمر: 49] ولا يفهمون فتنتنا واختبارنا، لذلك ينهمكون في بحر الكفران والطغيان.
[39.50-53]
وليس هذا مخوصا بهؤلاء الكفرة التائهين في تيه الغفلة والكفران، بل { قد قالها } أي: الكلمة المخصوصة التي من جملة: { إنمآ أوتيته على علم } [الزمر: 49] الكافرون المسرفون { الذين } مضوا { من قبلهم } مثل قارون وغيره { فمآ أغنى } أي: كفى ودفع { عنهم ما كانوا يكسبون } [الزمر: 50] من الزخارف شيئا من عذاب الله حين أحاط بهم ونزل عليهم العذاب، فكذلك ما أغنى عن هؤلاء امتعتهم شيئا من العذاب حين حلوله.
{ فأصابهم } أي: الكفرة الماضين في النشأة الأولى { سيئات ما كسبوا } مثل الخسف والكسف والغرق وغيرها { والذين ظلموا من هؤلاء } الكفرة المستخلفين منهم، القائلين بقولهم؛ يعني: قريشا { سيصيبهم } عن قريب { سيئات ما كسبوا } أمثال أولئك الهالكين { وما هم } أي: هؤلاء { بمعجزين } [الزمر: 51] الله القادر المقتدر على أنواع التعذيب والانتقام، فقتل صناديدهم يوم بدر، وقحطوا سبع سنين، ثم وسع عليهم رزقهم، ليتنبهوا أن مقاليد الأمور بيده، وخزائن الرزق من عنده، ومع ذلك لم يعلموا.
{ أولم يعلموا } ولم يتنبهوا { أن الله } المتكفل بأرزاق عباده { يبسط الرزق لمن يشآء } من عباده { ويقدر } أي: يقبض عمن يشاء منهم إرادة واختيارا على مقتضى علمه بتفاوت استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية الفائضة عليهم من الحكيم الوهاب { إن في ذلك } القبض والبسط المستلزمين للدقائق والرقائق الغير المحصورة في الأمور الإلهية { لآيات } براهني واضحات على حكمة القدير العليم { لقوم يؤمنون } [الزمر: 52] بذات الله، وكمال أوصافه وأسمائه.
وبعدما تنبهوا على حقية الحق وتفطنوا دلائل توحيده { قل } لهم يا أكمل الرسل نيابة عنا، مناديا لهم على وجه الاختصاص، مضيفا لهم إلينا عطفا ولطفا: { يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم } طول دهرهم قبل انكشاف الأغطية والسدل عن عيون بصائرهم: { لا تقنطوا } ولا تيأسوا { من } فيضان { رحمة الله } عليكم بعد انكشافها ورفعها { إن الله } المطلع على ضمائر عباده ونياتهم { يغفر } ويستر { الذنوب } التي صدرت عنكم حين غفلتكم { جميعا } وكيف لا يغفرها سبحانه { إنه } بمقتضى ذاته وأوصافه وأسمائه { هو الغفور } المقصود على العفو والستر لعموم عباده، سيما على أهل التوحيد منهم { الرحيم } [الزمر: 53] لهم يوصلهم بعد رفع الحجب عنهم إلى مقر التجريد والتفريد.
[39.54-58]
{ و } بعدما سمعتم سعة رحمة الحق وجميل عفوه ومغفرته { أنيبوا } أي: تقربوا وتوجهوا أيها المجبولون على فطرة الإسلام { إلى ربكم } الذي رباكم لمصلحة المعرفة والتوحيد { وأسلموا له } وانقادوا لأوامره، واجتنبوا عن نواهيه بالعزيمة الخالصة عن كدر الرعونات وشين الشهوات { من قبل أن يأتيكم العذاب } الموعود في يوم الجزاء { ثم } بعد نزوله وإتيانه { لا تنصرون } [الزمر: 54] إذ حينئذ لا يسع لكم التدارك والتلافي؛ لانقضاء زمان التوبة والرجوع.
{ و } بالجملة: إن أردتم النجاة من العذاب { اتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم } أيها المكلفون على الدين المستبين، ألا وهو القرآن الكريم المنزل على خير الأنام وأفضل الرسل الكرام، وامتثلوا بجميع ما فيه من الأوامر والنواهي على وجه العزيمة { من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة } فجأة { وأنتم لا تشعرون } [الزمر: 55] علاماته حتى تتداركوا وتحذروا منها.
अज्ञात पृष्ठ