तफ़सीर
تفسير الجيلاني
وبعدما أبصرناكم كذلك فاجأنا بإرسال الريح والملائكة إمدادا لكم، وتأييدا { فأرسلنا عليهم ريحا } أي: الصبا، فهبت عليهم إلى حيث تقلع أوتادهم، وتسقط الخيام عليهم، وتطفئ نيرانهم، وتكفي قدورهم، وتجيل خيولهم، وكانت في ليلة شاتية باردة في غاية البرودة { و } أرسلنا عليهم أيضا { جنودا } من الملائكة ظهرت جوانب معسكرهم، بحيث { لم تروها } في تلك الليلة المظلمة، بل لم تروها جندا مثلها أصلا، فقال حينئذ صناديدهم وكبراؤهم: النجاء النجاء، فإن محمدا قد بدأ بالسحر فانهزموا من غير قتال، فنجوتم سالمين عناية من الله، وإنجازا لوعده، ومعجزة لرسوله صلى الله عليه وسلم { وكان الله } المطلع لأحوال عباده { بما تعملون } من حفر الخندق، والتزلزل والتذبذب، والرعب الخفي، وبما يعملون من التحزب والتوافق على استئصالكم { بصيرا } [الأحزاب: 9] رائي عليما منكم أمارات التذبذب والتزلزل.
وكيف لا يتزلزلون { إذ جآءوكم } وهم غطفان { من فوقكم } أي: من أعلى الوادي من قبل المشرق { و } جاءوكم قريش { من أسفل منكم } أي: من أسفل الوادي من قبل المغرب، وأحصرتم حينئذ؛ إذ ليس معكم ما يقابل أحد الجانبين، فكيف بكليهما { وإذ زاغت الأبصار } حينئذ منكم، ومالت عن مستوى نظرها، وتقلقلت حيرة وشخوصا { و } اضطربتم في تلك الحالة إلى حيث { بلغت القلوب الحناجر } من غاية الرغب؛ لأن رئتكم قد انتفخت من الرعب المفرط فارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، وهي منتهى الحلقوم الذي هو مدخل الطعام والشراب.
{ و } حينئذ { تظنون } أيها الظانون المرعوبون { بالله } الذي وعدكم الغلبة على الأعداء، وإظهار دينكم وأعلاءه على الأديان كلها { الظنونا } [الأحزاب: 10] أي: أنواعا من الظنون، بعضها صالح وبعضها فاسد، على تفاوت طبقاتكم في الإخلاص وعدمه، فمنكم من يظن أن الله منجز وعده الذي وعده لرسوله من إعلاء دينه ونصره على الأعداء؛ إذ لا خلف لوعده سبحانه، ومنكم من يتردد ويتحير بين الأمرين إلى حيث لا يرجح أحدهما؛ لذلك يخاف من ضعف الثقة بالله، وعدم رسوخه في الإيمان.
وبالجملة: { هنالك ابتلي المؤمنون } وجربوا واختبروا؛ كي يتيمز المخلص منهم من المنافق، والثابت الراسخ من المتردد المتزلزل { و } لذلك { زلزلوا زلزالا شديدا } [الأحزاب: 11] من شدة الفزع والهول المفرط إلى حيث كاد أن يخرج أرواحهم من أجسادهم.
{ و } اذك يا أكمل الرسل { إذ يقول المنافقون } حينئذ { و } المؤمنون { الذين } بقي { في قلوبهم مرض } من أمارات الشقاق، ولم يصفوا بعد؛ لحداثة عهدهم حتى يتمكنوا على الوفاق، ويتمرنوا بالاتفاق { ما وعدنا الله ورسوله } من الظفر على الأعداء، وانتشار هذا الدين في الأقطار والأنحاء { إلا غرورا } [الأحزاب: 12] قولا باطلا، وزورا زاهقا زائلا، وبالغوا في ذلك حيث قال متعب بن قشير: بعدنا محمد بفتح فارس والروم، وأحدنا لا يقدر أن يتبرز للقتال مع هؤلاء الفرق، فظهر أن وعده ما هو إلا غرور باطل.
[33.13-17]
{ و } اذكر لهم يا أكمل الرسل { إذ قالت طآئفة منهم } أي: من منافقي المدينة، والذين في قلوبهم مرض وضعف اعتقاد ويقين من المؤمنين: { يأهل يثرب } أي: أصحاب المدينة { لا مقام لكم } أي: لا يحسن إقامتكم الآن ومقاومتكم في مقابلة هذه الأحزاب؛ أذ هم ذوو عدد وعدد كثيرة، وأنتم شرذمة قليلون بالنسبة إليهم { فارجعوا } عن دين محمد، وتشتتوا عن حوله؛ حى تسلموا من يد الأعادي { و } بعدما سمعوا قول أولئك المنافقين آمرين بالرجوع والارتداد صاروا مترددين متزلزلين في دينهم؛ حتى { يستئذن فريق منهم النبي يقولون } معتذرين معللين للرجوع والذب عن حول النبي: { إن بيوتنا عورة } غير حصينة، خالية عن المحافظ، فأذن لنا حتى نرجع إلى بيوتنا ونستحفظها { و } الحال أن بيوتهم { ما هي بعورة } بل هي حصينة محفوظة لا خلل فيها، بل { إن يريدون } أي: ما يريدون ويقصدون من هذا القول { إلا فرارا } [الأحزاب: 13] عن الزحف، وإعراضا عن الدين.
{ و } من كما ضعفهم في الدين، وعدم تثبتهم ورسوخهم ي الاعتقاد واليقين: { لو دخلت عليهم من أقطارها } وحصنت جميع جوانبها، بحيث لا يمكن الظفر علكيها إلا لهؤلاء الأحزاب ولا لغيرهم من عساكر الأعداء { ثم } ب عدما تحصنت عليهم بيوتهم كذلك صاروا آمنين من ظفر العدو مطلقا { سئلوا الفتنة } أي: الارتداد عن الإيمان والإسلامن والنصر على المؤمنين { لآتوها } وأعطوها ألبتة هؤلاء الجهلة الضعفة، المتماثلين إلى الكفر ومؤاخاة الكفرة عن صميم فؤادهم، ولجاءوا بالردة عن الدين والقتال مع المسلمين على الفور { وما تلبثوا } وتوقفوا { بهآ } أي: بإعطاء الفتنة والردة بعدما سئلوا عنها { إلا يسيرا } [الأحزاب: 14] أي: آنا واحدا إلا زمانا مقدرا ما يفهمون سؤال السائل واقتراحه.
{ و } كيف لا يعطونها وهم { لقد كانوا } أي: بنو حارثة وبنو سلمة { عاهدوا الله } أي: عهدوا العهد الوثيق مع الله { من قبل } أي: قبل حفر الخندق، وذلك في يوم أحد حين أرادوا أن يفشلوا عن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أو تخلفوا عنه يوم بدر، فلما رأوا ما أعطى الأحديون والبدريون من الكرامة العظيمة آجلا وعاجلا قالوا معاهدين: لئن أشهدنا الله قتالا فالنقاتلن، وحلفوا { لا يولون الأدبار } أصلآ، فالآن قد تذبذبوا وتضعفوا، وكادوا أن يولوا { و } لم يعلموا أنه { كان عهد الله } الذين عاهدوا معه سبحانه من قبل { مسئولا } [الأحزاب: 15] عنه وعن نقضه ووفائه، وهم مجزيون بمقتضى ما ظهر منهم من النقض والوفاء؟!.
{ قل } لهم يا أكمل الرسل بعدما تحقق عندك قصد فرارهم وذبهم عنك: { لن ينفعكم الفرار } أبدا، بل { إن فررتم } من ضعف يقينكم، ووهو اعتقادكم { من الموت } حتف الأنف، كما يفر الناس من الطاعون والوباء والزلزلة وغير ذلك { أو القتل } في يم الوغاء { وإذا } أي: بعدما تفرون حينئذ { لا تمتعون } تمتيعا كثيرا مؤبدا، بل ما تمتعون { إلا قليلا } [الأحزاب: 16] في زمان قليل؛ إذ لكل منكم أجل، ولكل أجل قضاء وانقضاء، ولا دوام إلا لمن هو متعال عن الأجل والقضاء والانقضاء، منزه عنه الابتداء والانتهاء، وعن الإعادة والإبداء، مقدس عن تعديد الأزمنة وتحديد الأمكنة مطلقا.
अज्ञात पृष्ठ