534

तफ़सीर

تفسير الجيلاني

साम्राज्य और युगों
सल्जूक

[29.10-13]

{ ومن الناس } المجبولين على التزلزل والتذبذب { من يقول } خوفا من عذاب الله { ءامنا بالله } بلا تمكن له واطمئنان في قلبه { فإذآ أوذي في } سبيل { الله } من أعدائه انقلب على الكفر حيث { جعل فتنة الناس } وإيذاءهم { كعذاب الله } القادر بالقدرة الكاملة على أنواع المحن والابتلاءات؛ يعني: يسوون بين خوف الله وخوف الناس، فكما يؤمنون بالله من خوف عذابه يكفرون به من خوف عذاب الناس بلا تفاوت بين الخوفين وبين العذابين، بل يرجحون خوفهم على خوف الله، فيختارون الكفر على الإيمان من ضعف يقينهم وعدم رسوخهم وتمكينهم على الإيمان، وذلك من عدم ترقيهم من حضيض الجهل والتقليد إلى ذورة العرفان والتوحيد { و } من غاية تزلزلهم وتلونهم { لئن جآء نصر } وعون للمؤمنين الباذلين مهجهم في سبيل التوحيد { من ربك } يا أكمل الرسل وصاروا غالبين على أعداء الله بنصر الله إياهم، وفازوا بالفتح والغنائم وأنواع الكرامات { ليقولن } أولئك المذبذبون المتزلزلون، مبالغين في دعى الموافقة والمؤاخاة: { إنا كنا معكم } موافقين ظاهرا وباطنا، وفي دين الإسلام متمكنين مطئنين سرا وجهرا، فأشركونا في ما نلتم من الغنيمة والخير، وهم يقصدون بقولهم هذا التغرير والتلبيس على المؤمنين، بل على الله أيضا، لذلك قال سبحانه: { أ } تعتقدون التلبيس والتشبيه أيها الجاهلون بعلو شأنه { و ليس الله } المتجلي على جميع ما ظهر وبطن في الأكوان غيبا وشهادة { بأعلم } بعلمه الحضوري { بما في صدور العالمين } [العنكبوت: 10] بل بما في استعداداتهم وقابلياتهم التي كانوا عليها حيث لم يكونوا؟ وإن كان حالهم أيضا كذلك الآن عند من له أدنى حظ من المعرفة والإتقان.

{ وليعلمن الله } المطلع لضمائر عباده ويميزن { الذين آمنوا } بالله وبذلوا جهدهم في سبيله، وليظهرن إخلاصهم ورسوخهم على الدين، وتمكنهم واطمئنانهم في مرتبة اليقين بعدما أمرهم بالجهاد والقتال الصوري والمعنوي { وليعلمن } ويظهرن أيضا كيد { المنافقين } [العنكبوت: 11] ومكرهم وتقاعدهم عن القتال، واحتيالهم في التخلف عن المؤمنين.

{ و } من جملة مكرهم واحتيالهم مع المؤمنين وخداعهم إياهم { قال الذين كفروا للذين آمنوا } قاصدين إضلالهم عن طريق الحق وانصرافهم عن الدين المستبين: { اتبعوا } أيها الحمقى المتذللون في أيدينا { سبيلنا } واختاروا طريقنا الذي كنا عليه من عبادة الأوثان والأصنام التي هي دين آبائنا وأسلافنا { و } إن خفتم على مقتضى زعمكم من أثقال ذنوبكم يوم العرض والجزاء { لنحمل } أثقال { خطاياكم } عنكم حينئذ فتصيروا مخففين بلا وزر وذنب، إنما قالوا هكذا؛ تغريرا عليهم وتضليلا لهم واستهزاء وإلا فهم منكرون بالآخرة وجميع ما فيها من الوعيدات الهائلة والإنذارات { و } هم وإن فرض أنهم اعتقدوا النشأة الأخرى ما فيها { ما هم بحاملين من خطاياهم من شيء } أي: شيئا قليلا من خطاياهم، فكيف بجميعها؟! وبالجملة: { إنهم لكاذبون } [العنكبوت: 12] في جميع مواعيدهم وعهودهم؛ إذ الكل لا يطابق اعتقادهم ولا الواقع؛ إذ لا تحمل يومئذ وازرة وزر أخرى، عدلا من الله تعالى.

ولهذا قال سبحانه مقسما: { و } الله { ليحملن } حنيئذ { أثقالهم } اي: خطاياهم التي اقترفوها لنفوسهم يزيدون عليها { وأثقالا } أخر حاصلة من إضلالهم وتضليلهم عباد الله { مع أثقالهم } الأصلية { و } الله مع تلك الأثقال على الأثقال { ليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون } [العنكبوت: 13] على الله من إثبات الشريك له في الوجود واستحقاق العبادة، وعن نسبتهم إليهم ما لا يليق بشأنه افتراء ومراء.

[29.14-18]

ثم ذكر سبحانه نبذا من أحوال أهل الضلال والإضلال من المفترين الذين مضوا في سالف الزمان تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإزالة للحزن الذي لحقه صلى الله عليه وسلم من تمادي المشركين في الغفلة والفساد وتطاولهم في الغي والعناد، فقال: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه } وقت إذ ظهر فيهم أنواع الفسوق والجدال وأصناف الغي والضلال { فلبث فيهم } وتحمل على مشاق دعوتهم وأنواع أذاهم { ألف سنة إلا خمسين عاما } فهم كانوا يضربونه ويشتمونه ونسبونه إلى الجهل والجنون والخرف وأنواع الاستخفاف والاستحقار، ومع ذلك لم يتقاعد عن دعوتهم، ولم ينزجر عن زواجرهم، بل يبلغهم ما أمره الحق بتبليغه من الآيات الظاهرة والمعجزات الباهرة، وهم من شدة شكيمتهم وخبث طينتهم لم يزيدوا من سماعها إلا تعنتا واستكبارا، وعتوا واغترارا وإصرارا على ما هم عليه، وبعدما استحقوا كمال العذاب والنكال { فأخذهم الطوفان } حين خرج الماء من التنور المعهود وطاف عليهم فأغرهم واستؤصلوا { وهم } في أنفسهم { ظالمون } [العنكبوت: 14] خارجون عن مقتضى الحدود ومنهمكون في بحر الغفلة والغرور، ضالون في تيه الجهل والطغيان؛ لذلك أخذهم الله بالطوفان واستأصلهم بالمرة إلى حيث لم يبق منهم أحد على وجه الأرض بعدما إغرقناهم وأهلنكاهم.

{ فأنجيناه } أي: نيبنا نوحا عليه السلام { وأصحاب السفينة } وهم المؤمنون الذين ركبوا معه عليها حين نبع الماء من التنور، قيل: كانوا ثمانين، وقيل: كانوا ثمانية وتسعين، وقيل: نصفهم ذكور ونصفهم إناث { وجعلناهآ } أي: قصة هلاكهم بالطوفان { آية } عظيمة { للعالمين } [العنكبوت: 15] تستدلون بها على كمال قدرتنا ووفور حكمتنا في انتقام من خرج على حدودنا وأحكامنا وأوامرنا ونواهينا.

{ و } أرسلنا أيضا يا أكمل الرسل جدك { إبراهيم } الخليل - صلوت الرحمن عليه وسلامه - إلى قومه الذين تمادوا زمانا في الغفلة والغرور؛ ليصلح مفاسدهم ويرشدهم توحيدنا، اذكر { إذ قال لقومه } بعدما بعثناه إليهم ليهديهم إلى طريق الحق { اعبدوا الله } الواحد الأحد الصمد، المستحق للعبادة والأطاعة استحقاقا ذاتيا ووصفيا { واتقوه } عن ارتكاب محارمه ومنهياته، واجتنبوا جميع ما لا يرضى به حتى لا تستجلبوا سخطه و غضبه عليكم { ذلكم } الذي أوصيكم به من العبادة والعرفان واجتناب عن المحارم والطغيان والاتصاف بالتوحيد والتقوى وجميع لوازم الإيمان { خير لكم } وأولى بحاكم وأنفع لنفوسكم من أولاكم وأخراكم مما أنت عليه من عبادة التماثيل التي تنحتونها بأيديكم وتسمونها من تلقاء أنفسكم آلهة دون الله ظلما وزورا { إن كنتم تعلمون } [العنكبوت: 16] أي: إن كنتم من ذوي العقول المستكملين بالقوة النظرية المفاضة لكم من حضرة العلم الإلهي؛ ليميزكم به عن سائر الحيوانات ويعدكم للخلافة والنيابة عن الله.

ثم نبه سبحانه على خطئهم في عبادة غير الله فقال: { إنما تعبدون من دون الله } المستحق للعبادة والاستقلال بلا شريك ومثال { أوثانا } تسمونهم آلهة ظلما وعدوانا وتعبدونهم كعبادة الله عنادا وطغيانا { وتخلقون } أي: تفترون وتنسبون إلى الله بإثبات الشريك له، سيما هذه التماثيل الباطلة العاطلة { إفكا } كذبا وافتراء، مجادلة ومراء، مع أن هؤلاء التماثيل لا تنفعكم ولا تضركم ولا ترزقكم ولا تمنع رزقكم، بل { إن } الآلهة { الذين تعبدون من دون الله } الحقيق بالإطاعة والعبادة مطلقا سواء كان هؤلاء الجمادات أو ذوي الحس والحركات { لا يملكون لكم رزقا } أي: أمر الرزق مقصور على الله المتكفل لأرزاق عباده، ليس في وصع غيره أن يرزق أحدا من عباده رزقا صوريا أو معنويا وإنما خص سبحانه الرزق بالذكر مع أنهم لا يملكون سواه أيضا؛ لأنه أظهر لإلزامه وأتم لشدة احتياجهم إليه، وإن أردتم رزقا جسمانيا أو روحانيا { فابتغوا } واطلبوا { عند الله } القادر المقتدر { الرزق } الصوري المقوي لمزاجكم والمعنوي، الموصل إلى مبدئكم ومعادكم؛ لتتزودوا برزقه في أولاكم وأخراكم { و } إذا سمعتم وعلمتم ألا رازق لكم سوى الله { اعبدوه } حق عبادته، واعرفوه حق معرفته { واشكروا له } أداء لحق شيء من حقوق نعمه، ونبذ من موائد فضله وكرمه، واعلموا أنكم { إليه ترجعون } [العنكبوت: 17] رجوع الظل إلى ذي الظل والأمواج إلى الماء.

अज्ञात पृष्ठ