243

[10.9-12]

ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة من تعقيب الوعيد بالوعد، وبالعكس: { إن الذين آمنوا } بالله وتوحيده { وعملوا الصالحات } المأمورة من عنده؛ لإصلاح أحوالهم { يهديهم ربهم } إلى فضاء توحيده { بإيمانهم } ويقينهم العلمي { تجري من تحتهم الأنهار } أي: جداول المعارف والحقائق المنتشئة من بحر التوحيد، من صبغة باليقين العيني والحقي { في جنات النعيم } [يونس: 9] أي: هم مخلدون في مستلذاتهم الروحانية.

{ دعواهم فيها } ومناجاتهم مع ربهم، بعدما انقطعوا عن السلوك والتكميل: { سبحانك اللهم } أي: اللهم إنا ننزهك تنزيها، ونقدسك تقديسا عن جميع ما يليق بجنات قدسك { وتحيتهم فيها } أي: ترحيب بعض أرباب الدرجات مع بعض على تفاوت مراتبهم { سلام } وتسليم؛ لتحققهم بمقام الرضا ومقعد الصدق { وآخر دعواهم } بعد وصولهم إلى غاية مأمولهم: { أن الحمد } والمنة والثناء { لله } المنعم المفضل { رب العالمين } [يونس: 10] يربيهم بأنواع اللطف والكرام تفضلا منه سبحانه وامتنانا.

ثم قال سبحانه حثا لعباده إلى الرجوع والتوجه نحوه: { ولو يعجل الله } المدبر لأمومر عباده { للناس الشر } حين استعجلوه؛ لغرض من الأغارض { استعجالهم بالخير } أي: كاستعجال الخير لهم حين طلبوا، أو دعوا لأجله { لقضي إليهم أجلهم } يعني: انقرض مدة حياتهم بحلول أجلهم بدعائهم، ولكن أمهلناهم؛ رجاء أن يستغفروا منهم من يستغفر، وبالجملة: { فنذر } وتترك المصرين { الذين لا يرجون لقآءنا } ورضوا بالحياة الدنيا واقتصروا عليها، وأنكروا يوم الجزاء واللقاء { في طغيانهم } المتجاوز عن الحد { يعمهون } [يونس: 11] يترددون؛ إمهالا لهم وتهويلا لعذابهم.

{ و } من شدة عمههم وطغيانهم { إذا مس } وعرض { الإنسان الضر } أي: ما يضره من مرض مؤلم وأمر مفجع مفزع { دعانا } متشكيا إلينا، باثا شكواه عندنا، ملقيا { لجنبه } إن لم يقدر على غيره { أو قاعدا أو قآئما } متضرعا متفجعا مستكشفا { فلما كشفنا عنه ضره } وعجلنا له مراده تجاوز عنا وعن أمرنا، ولم يتلفت إلينا أصلا، وصار من شدة عمهه وغفلته { مر كأن لم يدعنآ إلى } كشف { ضر مسه كذلك } أي: مثل ما سمعت { زين } أي: حبب وحسن { للمسرفين } المنهمكين في الغي والضلال { ما كانوا يعملون } [يونس: 12] من مخالفة أمر الله، ومخاصمة رسوله والمؤمنين المتابعين له، والإصرار على ما هم عليه من العتو والعناد.

[10.13-17]

ثم قال سبحانه مهددا مقسما: { و } الله يا أهل مكة { لقد أهلكنا } بمقتضى قهرنا وجلالنا { القرون } الماضية { من قبلكم لما ظلموا } أي: حين ظلموا مثل ظلمكم، وخرجوا عن إطاعة الله وإقامة حدوده مثل خروجكم { و } هم أيضا أمثالكم، قد { جآءتهم رسلهم بالبينات } بالبراهين القاطعة، والحجج الساطعة الدالة على صدقهم؛ إنما جاءهم ليمتنعوا عما هم عليه من الظلم والفساد { وما كانوا } أي: أولئك الأمم { ليؤمنوا } لهم، ويصدقوهم فيما جاءوا به أمثالكم، بل كذبوهم وأصروا لهم على ما هم عليه، بل زادوا عليها؛ عنادا ومكابرة، فأخذناهم بظلمهم، وأهلكناهم بإصرارهم بعدما نبهنا عليهم فلم ينتبهوا { كذلك نجزي القوم المجرمين } [يونس: 13] المصرين على الجرم مع ورود الزواجر والروادع.

{ ثم } بعد إهلاكهم واستئصالهم { جعلناكم خلائف } أي: استخلفناكم، فهم خلفائه { في الأرض من بعدهم } مختبرين، مبتلين أمثالهم { لننظر كيف تعملون } [يونس: 14] أتعملون الخير فيجازيكم خيرا، أم تعملون الشر فيجازيكم شرا، مثل ما جزيناهم؟.

{ و } هم كانوا من شدة انهماكهم في الغفلة والضلال { إذا تتلى عليهم آياتنا بينات } أي: مع كونها مبينات لأحوال النشأة الأخرى وأهوال عذابها ونكالها { قال } الكافرون: { الذين لا يرجون لقآءنا } بل ينكرون الحشر والنشر، والثواب والعقاب، وجميع ما يترتب على النشأة الأخرى، فكيف لقاءنا فيها { ائت } أيها الداعي من عند ربك { بقرآن غير هذآ } القرآن إن أردت أن نؤمن لك { أو بدله } وغير بعض آياته المشتملة على الإنذارات والتخويفات الشديدة، فإنا لا طاقة لنا بها.

إنما يقصدون بقولهم هذا استهزاء وسخرية برسول الله، واستخفافا بكتاب الله { قل } يا أكمل الرس في جوابهم: { ما يكون } أي: ما يصح ويجوز { لي أن أبدله } وأحرفه { من تلقآء نفسي } على مقتضى أهويتكم الفاسدة { إن أتبع } أي: ما أتبع وانتطر { إلا ما يوحى إلي } وليس في وسعي وطاقتي سوى الاتباع والانتظار، وكيف أتصرف فيه { إني أخاف } بمجرد استماع قولكم هذا العصيان على نفسي، فكيف { إن عصيت } بقصد التبديل والتغير؟ { ربي } استوجبت { عذاب يوم عظيم } [يونس: 15] كما استوجبتم بسوئكم هذا على سبيل الاقتراح والإلحاح.

अज्ञात पृष्ठ