فتأمل هذا الموضع والله يقضي بين عباده يوم القامة بعدله وحكمته ولا يعذب إلا من قامت عليه حجته بالرسل فهذا مقطوع به في جملة الخلق، وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله تعالى لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول، هذا في الجملة، والتعيين موكول إلى علم الله، وحكمه هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الأشكال في هذه المسألة وهو مبنى على أربعة أصول.
أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه كما قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} وقال: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وذكر آيات ثم قال: وقال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين} والظالم من عرف ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو تمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم يكن عنده من الرسول علم أصلا، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال أنه ظالم؟
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بشيئين، أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادته لها ولموجبها، الثاني: العناد لها بعد قيامها وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد، وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل.
पृष्ठ 29