عندما كنت أختلق القصص لهيو عن أي رجل بخيالي كنت أقول له، أرأيت؟ دائما ما يجدونني. «هل سمعت يوما عن جماعة الصليب الوردي؟» «هل هي الجماعة التي تعلن عن فن إتقان الحياة؟»
قد تفوت عليه نبرة السخرية، لكنه يستطيع أن يستشف الوقاحة. فاكتسب صوته نبرة توبيخ مملة. «رأيت واحدا من تلك الإعلانات منذ ست سنوات. كنت بحالة مزرية، كان زواجي منتهيا لتوه وكنت أعاقر الخمر مما أضر بصحتي، لكن لم تكن هذه هي المشكلة، أتعرفين؟ إنها ليست المشكلة الحقيقية، لقد اعتدت فقط الجلوس والتفكير، وهذا سبب وجودي هنا على أي حال. مثل موقفي من الدين؛ لقد سئمت هذا كله. لا أستطيع القول إن هناك شيئا مثل الروح. وإن لم توجد، فما الفارق إذن؟ أتفهمين ما أعنيه؟
بعد ذلك بدأت في الكتابة إليهم، وحصلت على بعض من إصداراتهم السابقة، وبدأت في حضور اجتماعاتهم. أول مرة ذهبت هناك، كنت خائفا من أن يكون الأمر كالذهاب إلى مستشفى المجانين، لم أكن أعرف ما الذي من الممكن أن أراه هناك، أتعرفين؟ يا لها من صدمة عندما رأيت نوعية الناس هناك؛ أناس ذوو نفوذ، أناس أغنياء، أناس محترفون. كل الأشخاص من نخبة المجتمع من المثقفين والمتعلمين، إنهم ليسوا جماعة مجانين، إنها جماعة مشهورة وموثوقة علميا.»
لم أجادله فيما قال. «مائة وأربع وأربعون سنة! هذه هي الفترة الزمنية بين بداية الحياة والحياة الأخرى، لذلك إذا مات أحدنا، ولنقل، بسن السبعين، يتبقى نحو أربعة وسبعين عاما حتى بداية الحياة التالية، عندما تولد روحك من جديد.» «وهل تتذكر؟» «تقصدين من الحياة الأولى للتالية؟ حسنا، أنت على دراية بنفسك، الإنسان العادي لا يتذكر أي شيء، لكن بمجرد أن يتفتح عقلك، ستدركين ماذا يدور حولك، وسببه، بعد ذلك ستبدئين في التذكر. إنها حياة واحدة تلك التي أنا متأكد من أني عشتها، كان ذلك في إسبانيا وفي المكسيك، كنت واحدا من أحد فاتحي المكسيك، أتعرفينهم؟» «نعم.» «شيء مضحك، دائما كنت أعرف أنني أستطيع امتطاء الخيل، لكني لم أفعل ذلك، فأنا فتى من المدينة، ولم يكن لدينا المال، ولم يكن لدينا حصان. لكني ما زلت أشعر بأني أجيد امتطاء الخيل. بعد ذلك عند حضوري أحد اجتماعات جماعة الصليب الوردي بفندق بفانكوفر منذ عامين أتى إلي زميل كبير في السن، كان من كاليفورنيا، وقال: أنت كنت هناك، أنت كنت واحدا منهم. لم أدرك وقتها عما يتحدث ، فأردف: في إسبانيا، كنا معا. وقال إنني كنت أحد الفاتحين الذين ذهبوا إلى المكسيك وأنه كان واحدا ممن تخلفوا. لقد تعرف على وجهي. أتعرفين ما أغرب شيء في كل ذلك؟ عندما انحنى ليحادثني خيل لي أنه يرتدي قبعة، مع أنه لم يكن كذلك، ذلك النوع من القبعات المكسوة بالريش، وخيل لي أن شعره أسود وطويل، بدلا من كونه رماديا وقصيرا. كان هذا كله قبل أن ينبس ببنت شفة مما قاله، أليس ذلك شيئا ذا دلالة؟»
بلى، ذو دلالة، لكني سمعت أشياء كهذه من قبل، سمعتها من أشخاص اعتادوا رؤية الأشباح تطير من فوقهم، أشخاص يسيرون حياتهم بناء على ما يقوله المنجمون، لدرجة أنهم غيروا أسماءهم وانتقلوا إلى عناوين جديدة؛ لأن القيم الرقمية التي تحملها الحروف الجديدة ستبارك لهم حياتهم. هذه هي الأفكار التي يعتنقها أناس يعيشون معنا في هذا العالم، وأستطيع الآن معرفة الأسباب. «ما البرهان الذي تريدينه لأثبت لك أنك أيضا كنت هناك؟» «في إسبانيا؟» «نعم في إسبانيا، لقد اعتقدت منذ رأيتك أنك امرأة إسبانية، ربما كنت ممن تخلفوا أيضا، هذا يفسر ما أراه، عندما أنظر إليك - أنا لا أقصد أي إساءة فأنت امرأة جذابة جدا - أراك أصغر مما أنت عليه. لعل هذا بسبب أنني عندما تركتك بإسبانيا كنت بعمر العشرين أو الواحد والعشرين، ولم أرك ثانية بتلك الحياة، أنت لا تمانعين أن أقول ذلك، أليس كذلك؟» «لا، لا، إنه من دواعي سروري فعلا أن يراني أحد هكذا.» «أنا دائما على يقين بأنه يجب أن يكون هناك قيمة أكبر للحياة، أنا لست إنسانا ماديا، ليس من طبيعتي، ولهذا السبب لم أحقق قدرا كبيرا من النجاح، فأنا أعمل رجل مبيعات للعقارات، لكن لا أعتقد أني أعير عملي الاهتمام اللازم إذا كنت أريد النجاح. لكني لا أهتم، فأنا أعيش وحدي.»
أنا أيضا، أعيش وحدي، ولا أستطيع التفكير بما سأفعله، ولا أستطيع التفكير بما أفعله مع ذلك الرجل إلا أن أقحمه بحكاية من الحكايات التي سأرويها لهيو، لإثارة فضوله، كطرفة أو فكاهة لهيو. يريد هيو أن ترى الحياة على هذا النحو؛ فهو يحب النبرة الباردة، المشاعر المجردة التي يجب أن يتغاضى عنها كاللحم العاري. «هل تحبني، هل تحب مارجريت، هل تحب كلتينا؟» «لا أعرف.»
كان يقرأ المجلة، دائما ما يقرأ وأنا أحدثه، كان يقول تلك الكلمات بصوت ملول، بالكاد مسموع، وكأنه مكره على الحديث. «حسنا، سنتطلق، هل ستتزوجها؟» «لا أعرف.»
وصلت مارجريت عند تلك النقطة من الحديث، ونجحت في تغيير دفة الحوار إلى بعض الفناجين الخزفية التي اشترتها لنا للتو، كهدية، وتأمل ألا أقذفها خارجا في ظل غيظي؛ لأنها - أي مارجريت - تعتقد أنها ستكون مفيدة في حال انتقالها للعيش معنا. ابتسم هيو لسماعه ذلك، وكان ممتنا. قلت في نفسي حينها إننا إذا نسجنا الفكاهات يمكننا جميعا أن نحيا.
أسعد لحظة في زواجنا عندما كنا لا نواجه أي مشكلات في اتخاذ القرارات. كنا بجنوب ميشيجان في رحلة، حين كان الأطفال صغارا. كان مهرجانا رديئا في يوم تلبدت سماؤه بالغيوم. ركبنا قطارا لعبة، وشردنا نحن معا حتى توقفنا أمام قفص به دجاجة، ولافتة مكتوب عليها أن تلك الدجاجة تستطيع أن تعزف على البيانو. قلت إنني أريد سماعها، فأسقط هيو عشرة سنتات بالمكان المخصص، وما حدث كان كالآتي، عندما سقطت العملة، فتح باب سحري، وهبطت حبة ذرة على مفتاح البيانو، فذهبت الدجاجة لتلتقطها فأحدثت نغمة وهي تلتقطها. فصدمت وقلت إن هذا غش واحتيال. لسبب ما صدقت ما هو مكتوب على اللافتة بأن الدجاجة حقا تعزف على البيانو. لكن فعل هيو - عندما أسقط العملة - بدا طيشا لا يتصف به هيو مطلقا، طيشا بدا لي فعلا مدهشا، وإقرارا علنيا بالحب، أكثر من أي شيء آخر فعله أو قاله في أي وقت آخر، حتى في لحظات احتياجه إلي أو رضائه. كان هذا الفعل مدهشا ومؤقتا، كرؤيتك مثلا طائرا صغيرا بألوان نادرة يجلس عن قرب بحيث لا يجرؤ أحد على النظر إليه مباشرة ويسترقون النظر فحسب. في تلك اللحظة، كان حنان أحدنا على الآخر لا يعكره شيء، وينبع منا تلقائيا، وبدت صراعاتنا وكأنها غير حقيقية. بوابة جديدة فتحت لنا على الحياة، أغلب الظن، لكننا لم نعبرها.
أما عن أتعس لحظة في زواجنا فلا أستطيع أن أتذكرها، فكل شجاراتنا يمتزج بعضها ببعض، وهي في الحقيقة تكرار لنفس المشاجرة وفيها يعاقب كل منا الآخر - أعاقبه بالكلمات ويعاقبني بالصمت - بسبب فكرة كل منا عن الآخر لا أكثر. لم نكن نحتاج إلى أكثر من ذلك.
अज्ञात पृष्ठ