وسواء كان اللفظ أمرا ملهما وموحى به علمه من عند الله تعالى معلم أول، أو كان الطبع قد انبعث فى تخصيص معنى بصوت هو أليق به، كما سميت القطا قطا بصوتها؛ أو كان قوم اجتمعوا فاصطلحوا اصطلاحا، أو كان شىء من هذا قد سبق فاستحال يسيرا يسيرا إلى غيره من حيث لم يشعر به، أو كان بعض الألفاظ حصل على جهة والبعض الآخر على جهة أخرى، فإنها إنما تدل بالتواطؤ، أعنى أنه ليس يلزم أحدا من الناس أن يجعل لفظا من الألفاظ موقوفا على معنى من المعانى ولا طبيعة الناس تحملهم عليه، بل قد واطأ تاليهم أولهم على ذلك وسالمه عليه، بحيث لو توهمنا الأول اتفق له أن استعمل بدل ما استعمله لفظا آخر موروثا أو مخترعا اخترعه اختراعا ولقنه الثانى، لكان حكم استعماله فيه كحكمه فى هذا، وحتى لو كان معلم أول علم الناس هذه الألفاظ؛ وإنما صارت إليه من عند الله تعالى وبوضع منه أو على وجه آخر، كيف شئت، لكان يجوز أن يكون الأمر فى الدلالة بها بخلاف ما صار إليه لو وضعه، وكان الغناء هذا الغناء. فالدلالة بالألفاظ إنما استمر بها التعارف بسبب تراض من المتخاطبين غير ضرورى حتى إنه وإن فرضناه بحسب المعلم الأول ضروريا من عند الله أو من جهة أخرى، فإنه بحسب المشاركة اصطلاحى. فإن قبول الثانى من الأول إنما هو بأن قال له الأول: إن كذا يعنى به كذا، أو فعل فعلا يؤدى إلى مثل هذا التوقيف،وما أشبه ذلك، فواطأه عليه الثانى والثالث من غير أن كان يلزمهم أن يجعلوا ذلك اللفظ لذلك المعنى، وأن يجعلوا لفظا بعينه لمعنى بعينه لزوما ضروريا، بل كان يجوز أن يقع مثل ذلك التنبيه من المعلم الأول لهم على لفظ آخر، فلذلك جاز أن تكون دلالات الألفاظ مختلفة.
ومعنى دلالة اللفظ أن يكون إذا ارتسم فى الخيال مسموع اسم ارتسم فى النفس معنى. فتعرف النفس أن هذا المسموع لهذا المفهوم؛ فكلما أورده الحس على النفس التفت إلى معناه.
وأما الكتابة فقد كان يمكن أن تكون لها أيضا دلالة على الآثار بلا توسط الألفاظ حتى يجعل لكل أثر فى النفس كتابة معينة، مثلا للحركة كتابة وللسكون أخرى وللسماء أخرى وللأرض أخرى، وكذلك لكل شىء. لكنه لو أجرى الأمر على ذلك لكان الإنسان ممنوا بأن يحفظ، الدلائل على ما فى النفس ألفاظا ويحفظها نقوشا. والأول يسهل له إما برياضة التربية وإما بتعلم شاق. فإذا ألزم مرة ثانية أن يحفظ كتابة بهذه الصفة كان كمن يلزم تعلم لغة من رأس. فوجد الأخف فى ذلك أن يقصد إلى الحروف الأولى القليلة العدد فيوضع لها أشكال، فيكون حفظها مغنيا عما سلف ذكره. فإنها إذا حفظت حوذى بتأليفها رقما تأليف الحروف لفظا، فصارت الكتابة بهذا السبب دليلا على الألفاظ أولا. وذلك أيضا دلالة على سبيل التراضى والتواطؤ؛ فلذلك اختلف.
وأما دلالة ما فى النفس على الأمور فدلالة طبيعية لا تختلف، لا الدال ولا المدلول عليه، كما فى الدلالة التى بين اللفظ والأثر النفسانى؛ فإن المدلول عليه، وإن كان غير مختلف، فإن الدال مختلف؛ ولا كما فى الدلالة التى بين اللفظ والكتابة، فإن الدال والمدلول عليه جميعا قد يختلفان.
فأما أن النفس كيف تتصور صور الأمور، وكيف يحصل فيها ذلك، وما الذى يعرض للصور وهى فى النفس، وما الذى يعرض لها وهى من خارج، وما الفاعل الذى هو سبب إخراج قوة التصور إلى الفعل، فليس من هذه الصناعة، بل من علم آخر. وأيضا فإن النظر فى أنه أى لفظ هو موضوع دالا على معنى كذا، وأى كتابة هى موضوعة دالة على معنى كذا وأثر كذا، فذلك لصناعة اللغويين والكتاب، ولا يتكلم فيها المنطقى إلا بالعرض، بل الذى يجب على المنطقى أن يعرفه من حال اللفظ هو أن يعرف حاله من جهة الدلالة على المعانى المفردة والمؤلفة ليتوصل بذلك إلى حال المعانى أنفسها من حيث يتألف عنها شئ يفيد علما بمجهول، فهذا هو من صناعة المنطقيين.
पृष्ठ 152