ورأيت أن أحدنا يحمل مذكرة يسجل فيها ما وقع في يومه أو ما يريد أن يفعله في حينه، وينظر فإذا يوم مضى لم يسجل فيه حادثاته، وإذا آخر مر دون أن يفعل ما سجله له، فقلت:
تقلب الأيام من أوراقها
أسرع من تقليبنا أوراقنا
وهذا كلام يثبت على التجريب، ويتضح بالتأمل. ولكن تأمل في هذه الكلمة:
لا أذكر ما قال الفلاسفة القدماء والمحدثون في الزمان ما هو وكيف يمضي أو لا يمضي، ولكن أمرا واحدا يتبين لي: هو أن الإنسان إن نظر إلى جزئيات الحوادث وخضع لها، رأى نفسه كالذي يقوم في مجرى النهر تصدمه موجة بعد موجة، أو يقوم في طريق تزحمه السابلة يدفعه سائر بعد آخر. ولكنه إن نظر إلى القوانين العامة واستعلى على الحادثات، رأى ظهورا ما يسميه الناس مرورا، ووجد نفسه على الساحل لا يأخذه تيار النهر ولا تصدمه أمواجه، يثبت ثبات الساحل ويبصر النهر لا يبالي مرور مائه ولا تسلسل موجه، ولكنه يرى الحقيقة الثابتة التي وراء هذا التغير والمسير.
الجمعة 25 ذي القعدة/8 سبتمبر
لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين
إنسان يفعل الخير حبا وجذلا، ويحسن إلى الناس تطوعا وتفضلا، مغرم بالمكارم فيها لذته، وإليها طمأنينته، طموح إلى المعالي فيها سعادته، وبها سكينته، محلق يكره الإسفاف، وجليل ينفر من السفساف، ينفر عن الشر وكل قبيح، ويعاف الدنية وكل منكر، ويولع بكل جميل طاهر، كالنحلة تأخذ من كل زهرة ثم تخرج شهدها.
وآخر كلف بالشر، مغرم بالمخازي، ترفعه فيهوي، وتحلق به فيسف. كلما رفعت إلى المعالي مناه، أخلد إلى الأرض واتبع هواه.
هذا تعب لخير الناس، مرزأ في سبيل الله، يجود بماله ونفسه لقومه ووطنه، وهو على كل مخوف مقدم، يمضي قدما غير محجم. وذاك يغتنم الفرصة لسرقة المال، حين تهيب أمته بالرجال، فيشتري لها سلاحا ليغنم، ويغشها في حومة الوغى ليربح، وإنه والله للخسار كل الخسار، والعار لا يدانيه عار، ولا يمحوه تقلب الليل والنهار، وكر الإعصار بعد الإعصار.
अज्ञात पृष्ठ