قلنا: هذه مطالبة بوجود نقلهم الذي وصفناه، وذلك أمر مستفيض منتشر؛ لأن الذين نقلوا صاع النبي ﷺ ومده هم الذين نقلوا قبره ومنبره؛ لأن ذلك نقل جميعهم خلفًا عن سلف وقرنًا بعد قرن، وكذلك إنهم لم يطالبوا بزكاة الخضر فنقلوا القول كما نقلوا الفعل، وأن الأذان كان على الصفة التي يؤذنون بها من الترجيح والتثنية دون الإفراد الذي يدعيه أهل العراق؛ وبذلك احتج مالك ﵀ على أبي يوسف لما تكلما في الصاع والمد بحضرة الرشيد فقال مالك ﵀: هذا صاع رسول الله ﷺ ينقله الخلف عن السلف، وبعث إلى أهل الأسواق فكانوا يأتون أقوامًا يخبرون بأن هذا صاع النبي ﷺ الذي كانوا يؤدون إليه الزكاة به يخبرهم بذلك سلفهم عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بعصره ﷺ.
وكان أبو يوسف يتعلق برواية يرويها عن مجاهد أو غيره، فلما رأى من ذلك ما لا يمكن دفعه ترك مذهب أبي حنيفة واعترف بصحة ما يذهب إليه أهل المدينة.
وكذلك لما تكلم في الحبس والوقف، واحتج مالك بنقل أهل المدينة قرنًا بعد قرن أحباس رسول الله ﷺ وصدقاته ووقوف أصحابه؛ فرجع أيضًا أبو يوسف إلى قولهم فيه.
فإن قالوا: لو كان نقلهم ذلك متواتر - على ما وصفتم - لوجب أن نعلمه ضرورة، ولم يحسن الخلاف فيهن وكان يجب أن يكون ناقلوه أيضًا يعلمونه ضرورة، ولو كان كذلك كان مالفه جاحدًا للضرورة، وإن صرتم إلى هذا لزمكم أن تقولوا: إن أبا حنيفة وأصحابه وكافة فقهاء العراق، والشافعي وأصحابة جاحدون للضرورة، وفي هذا ما لا خفاء فيه.