Sharh Kitab al-Ibana min Usul al-Diyana
شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة
शैलियों
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل قادر
[وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (والله لأن يهدي الله بهداك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم)]، وهذا فيه أعظم حافز لدعوة الناس إلى الله ﷿، حتى ولو كانت ثمرة الدعوة على مدار الأعوام العديدة واحدًا، (لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق).
ويقول النبي ﵊: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).
وذهب النبي ﵊ ليزور طفلًا يهوديًا في مرض موته ليدعوه، فلما ذهب إليه النبي ﵊ دعاه إلى الحق، وإلى طريق الإسلام، فنظر الغلام إلى أبيه فقال أبوه: (يا غلام! أطع أبا القاسم، فنطق الغلام بالشهادتين، فخرج النبي ﵊ ووجهه يتهلل ويقول: الحمد لله الذي أعتق بي رقبة من النار)، أي: رقبة واحدة.
فالدعوة إلى الله ﷿ واجبة على كل قادر عليها، أما النتيجة فهي على الله ﷿، وإن قلت ثمرتها فإنه لا حرج في ذلك، والسلف ﵃ كانوا يأتون بكلمات ثم لا ينتظرون النتائج وكانوا يفعلون ما أمروا به؛ لأنهم يعلمون أن ثمرة هذا الكلام وهذه الدعوة على الله ﷿ دون سواه.
[وقال الحسن: أن رسول الله ﷺ قال: (ما أنفق عبد نفقة أفضل عند الله من نفقة قول)]، والعلم يزكو بالدعوة والعمل، وهذا كلام علي بن طالب وابن سيرين وابن المبارك وغيرهم من أهل العلم.
قال: والعلم يزكو بالدعوة والعمل.
أي: يزيد وينمو كلما دعوت إلى الله ﷿، ولذلك الذي يدعو إلى الله ﷿ يتعلم أكثر ممن لا يدعو إلى الله ﷿.
ولذا لو أن شخصين يحضران مجالس العلم، أحدهما يدعو بما تعلم ويعمل به، والآخر يكتفي من العلم بالسماع والحفظ فقط، ولا يعمل به أو لا يدعو إليه، فيكاد هذا الذي لا يدعو أن ينسى ما تعلمه، بخلاف الذي يدعو فإنه يحتاج في كل دعوة أن يذكر وأن يتذكر وأن يراجع، وأن يدرس ما تعلمه، حتى يتمكن من تبليغه للناس، ودعوة الناس إليه وبه، فهذا أدعى لتثبيته في القلوب، ولذلك فزكاة العلم ونماؤه هي الدعوة إليه ومدارسته ومراجعته، وغير ذلك مما كان يفعله السلف.
[وقال ابن مسعود: قال النبي ﷺ: (لم يكن نبي قط إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يتبعون أمره ويهتدون بسنته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، يغيرون السنن، ويظهرون البدع، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل)].
ففي الحديث بين النبي ﵊ أن أول هذه الأمة على الخير والبركة والرحمة، وأن حوارييه ﵊ على الإيمان التام، وهم أصحابه الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، لكن يأتي من بعدهم أمراء وسلاطين يقولون ما لا يعملون، ويعملون ما لا يؤمرون، يُظهرون البدع ويميتون السنن، يكيدون للإسلام ليل نهار، وينقضون عراه عروة عروة.
ثم بين النبي ﵊ أن على هؤلاء الحواريين ومن سلك نهجهم إلى قيام الساعة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قوله: (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)، أي: إذا كان هذا المنكر لا يزول إلا باليد فواجبٌ أن نزيله باليد، وإذا عجزوا عن التغيير باليد جاهدوهم باللسان والدعوة والبيان، وإذا عجزوا عن ذلك فلا أقل من أن ينكروا بقلوبهم، ويفارقوا مواطنهم ولو بالهجرة من بلاد المعصية إلى بلاد الإيمان، وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان، كما روي عند مسلم من حديث أبي سعيد في الإنكار على هؤلاء، قال: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، أي: لا إيمان بعد ذلك، وفي رواية: (وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل)؛ لأن تغيير المنكر بالقلب في مقدور كل إنسان، إذ لا سلطان لأحد على قلبك إلا لله ﷿، فأنت بإمكانك أن يتمعر وجهك، وأن تهجر وتفارق مكان المعصية، فإن عجزت عن التغيير باليد أو باللسان، فلا أقل من أن تهجر مكان المعصية مخافة أن ينزل العقاب فيعم الجميع.
[وقال أبو أسامة -وهو حماد بن أسامة -: جزى الله عنا خيرًا من أعان الإسلام بشطر كلمة]، وجزى الله تعالى شرًا من أعان على هدم الإسلام ولو بشطر كلمة.
3 / 15