وقال آخر:
فلست بنازلٍ إلا ألمت ... برحلي أو خيالتها الكذوب
حذف مفعول نازلٍ لأن المراد مفهومٌ، كأنه قال: لا أنزل منزلًا. ومثله قول الله ﷿: " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا "، أي العذاب. والإلمام: زيارةٌ لا لبث معها. يقول: لا أنزل محلًا إلا رأيت هذه المرأة ملمةً برحلي، أي متصورةً لي بهذه الصورة، تشوقًا مني وتحفيًا. هذا في حال اليقظة وعند فراغ البال والاشتغال بحال النفس. أو رأيت خيالتها الكذوب القليلة الوفاء إذا نمت. ويقال خيالٌ وخيالةٌ، كما يقال مكانٌ ومكانةٌ. وجعلها كذوبًا لما لم يتحقق فعلها وقولها. والمعنى: إني لا يخليني منها لا النوم ولا اليقظة، ولا يلفتني عنها لا الرخاء ولا الشدة، وفي هذه الطريقة قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالٍ
وقال الأصمعي في قول الآخر:
ألبس بصيرًا من رأى وهو قاعدٌ ... بمكة أهل الشام يختبزونا
هو على التشوف والتحفي.
فقد جعلت قولص ابني سهيلٍ ... من الأكوار مرتعها قريب
جعلت ها هنا بمعنى طفقت وأقبلت، ولذلك لا يتعدى. والقلوص: الفتية من الإبل، ومرتعها قريب في موضع الحال. يقول: أقبلت قلوص هذين الرجلين قريبة المرتع من رحالهم، قصيرة المسرح في رواحهم، لأنه لما لحقها من الكلال والإعياء، لم تقدر على التباعد في المرعى والارتياد.
كأن لها برحل القوم بوًا ... وما إن طبها إلا اللغوب
يقول: كأن لهذه الناقة ولدا برحل القوم، تتعطف عليه، ولا تتباعد عنه، وما داؤها إلا الإعياء. ومثل هذا قول الآخر:
من الكلال لا يذقن عودا ... لا عقلًا تبغي ولا قيودًا