وقد تمنيت من صميم قلبي أن يفوز هو ومن معه بالهروب؛ فقد تعذبوا كثيرا. ولو أني حزنت في الوقت نفسه حزنا شديدا؛ لأنه كان الشخص الوحيد الذي يعرف لغتي الأصلية التي كنت أحن إلى التحدث بها أحيانا معه.
وفي اليوم التالي استدعاني الخليفة وقابلني بوجه مكفهر قائلا: «هو من أبناء جلدتك، وبطبيعة الحال أنك كنت تعرف جيدا عزمه على الهروب، فلماذا لم تبلغني حتى كنت أعمل الاحتياطات اللازمة؟» فأجبته: «عفوا يا مولاي، كيف كان في استطاعتي أن أعلم عن هروبه شيئا وأنا منذ قيام الحركة الأخيرة لم أنتقل من مركزي بالليل ولا بالنهار، كما تعلم يا سيدي؟» فأجابني بكل حدة: «لا شك في أن قنصلكم هو الذي دبر لهم طريقة الهروب.»
وكان من بين الخطابات التي وردت أخيرا واحد منها جاء إلى الخليفة باللغة العربية من القنصل العام لدولة النمسا والمجر، المسيو «فون روستي»، يشكره فيه على حسن معاملته للبعثة الكاثوليكية، ويطلب إليه أن يسمح لهم بمغادرة السودان والعودة إلى أوطانهم؛ حيث إنهم من رعايا الحكومة النمساوية، وإن لجلالة الإمبراطور غاية خاصة بهم، ومنذ هذا اليوم أعتقد أن أعضاء هذه البعثة من أبناء جلدتي، وهو متيقن الآن بأن أمر هروبهم دبر بمعرفة القنصل المشار إليه.
وهنا قلت للخليفة: «ربما يكون للقبائل النازلة على الحدود يد في تدبير هروبهم لغنيمة وعدوا بنيلها، فحضروا إلى أم درمان وانتهزوا فرصة الثورة التي قامت ومهدوا السبيل ل «أوهروالدر» ومن معه للهروب.» وقد اقتنع الخليفة بهذا الرأي، وبعد أن طلب إلي أن أكون دائما مخلصا أمرني بالانصراف.
وبالرغم من الوعود التي قطعها الخليفة على نفسه للإشراف بألا يعكر صفو الود والاتفاق الذي تم بين الفريقين بلا مبرر، ألقى القبض على ثلاثة عشر من زعمائهم، بينهم أعمام المهدي نفسه، وأرسلهم بمركب إلى فاشودة؛ حيث يوجد زكي طومال الأمير المحلف الأمين للخليفة، والذي كان قد ذهب هناك لإخماد ثورة «الشلك».
ولما وصلوا إلى فاشودة وضعهم زكي في زريبة وتركهم بدون طعام إلا القدر اليسير ثمانية أيام. ولما جاءته التعليمات السرية لإعدامهم ضربا بعصي تقطع من أشجار الشوك، نفذ ذلك بحضور رجال جيشه بعد أن عراهم من ملابسهم.
بعد ذلك عاد زكي طومال إلى أم درمان ومعه غنائم كثيرة؛ إذ أحضر معه آلافا من الرقيق من النساء وقطعانا من الماشية باعها بمبالغ عظيمة حصل عليها بالفعل. وقد شكا كثير من الناس زكي إلى الخليفة من شدة ظلمه وطغيانه. وكان بعض الناس يقولون للخليفة إذا اكتسب قلوب عدد كبير من أتباعه يمكن أن يستقل ويشق عصا الطاعة.
غير أن ما قدمه زكي إليه ولأخيه من الهدايا الثمينة من رقيق ومال وماشية، حفظ له مركزه عندهما.
ولما كان زكي طومال بأم درمان، قام الخليفة بعدة مناورات عسكرية تولى قيادتها بنفسه. غير أن جهله بالحركات العسكرية وعدم النظام السائد بين الثلاثين ألف عسكري، جعل هذه المناورات تفشل فشلا تاما، ولكن اللوم وقع على رأسي؛ حيث كنت قائما بوظيفة أركان حرب، ولما رأى ما وقع فيه من الارتباك قرر بأن هذا العمل كان مقصودا مني؛ لأني عدلت في تنفيذ أوامره. وأخيرا صرف الجنود وبعث بزكي طومال إلى القلابات، وطلب إلي كعادته أن أنفذ أوامره كما هي، وأهدى إلي جاريتين صغيرتين علامة الرضاء.
والآن وقد سمع الخليفة شريف بما حدث من قتل أقاربه، أعلن استياءه الشديد وسخطه على الخليفة جزاء ما ارتكب، وبذلك تمكن الخليفة عبد الله من إيجاد سبيل إلى محاكمته، فسرعان ما اتهمه بأنه خارج على القانون غير مطيع للأوامر، وكون المحكمة لتحاكمه بتهمة عدم الطاعة.
अज्ञात पृष्ठ