في هذه الأثناء، راحت المجرات غير الناضجة واحدة تلو الأخرى تكتسب تحت تأثيري تلك الدرجة من الصفاء التي مكنتها من الانضمام إلى المجتمع الكوني وإثرائي بخبراتها المميزة. بالرغم من ذلك، بدا أن ضعف الكون مستمر من الناحية الفيزيائية؛ فحين بلغ نصف مجموع المجرات مرحلة النضج، بدا من الواضح أن قلة فقط هي التي ستنجح.
لم يتبق من النجوم الحية في أي من المجرات سوى عدد قليل للغاية. أما مجموعة النجوم الميتة، فقد خضع بعضها إلى التفكك الذري واستخدمت كشموس اصطناعية، وأحيطت بعدة آلاف من الكواكب الاصطناعية. غير أن الغالبية العظمى من النجوم كانت الآن مغلفة بقشرة ومأهولة هي نفسها. وبعد فترة، صار من الضروري أن يتم إخلاء جميع الكواكب؛ إذ كانت الشموس الاصطناعية تستهلك قدرا مفرطا من الطاقة؛ ومن ثم فقد قامت السلالات المتوطنة في الكواكب بتدمير نفسها سلالة تلو الأخرى، واهبة مادة عوالمها وجميع حكمتها إلى قاطني النجوم المطفأة. ومنذ ذلك الوقت فصاعدا، صار الكون الذي كان يحتشد فيما سبق بالمجرات المتوهجة التي تحتشد كل منها بالنجوم، مؤلفا من جثث النجوم على نحو كامل. وانجرفت هذه الحبات القاتمة عبر الفراغ المظلم كدخان فائق الرقة يتصاعد من حريق منطفئ. وفوق هذه الذرات، هذه العوالم الضخمة، قد أوجدت الشعوب النهائية بإضاءتها الصناعية هنا وهناك وهجا خافتا، لا يرى حتى من أعمق حلقات الكواكب العديمة الحياة.
كان نوع الكائنات الأكثر انتشارا على الإطلاق في هذه العوالم النجمية، هو الحشد الذكي من الديدان الضئيلة أو السلالات الحشرية. بالرغم من ذلك، فقد كان هناك العديد من السلالات لكائنات أكبر حجما من نوع غريب للغاية قد تكيف مع الجاذبية العملاقة في عوالمها الضخمة. كان كل من هذه الكائنات يشبه بطانية حية، ويحمل سطحه السفلي مجموعة من الأرجل الضئيلة الحجم التي كانت تؤدي وظيفة الفم أيضا. كانت هذه الأرجل تحمل جسما لم يكن سمكه يزيد عن البوصة الواحدة في أي حال من الأحوال، بالرغم من أن عرضه كان يمكن أن يبلغ بضع ياردات بينما يصل طوله إلى عشر ياردات. عند الطرف الأمامي، كانت «أذرع» التناول تنتقل على أفواجها من الأرجل. كان السطح العلوي من الجسم يحتوي على مسامات للتنفس في شكل قرص العسل، ومجموعة متنوعة من أعضاء الحس. وبين السطحين، كانت تنتشر أعضاء الأيض والجزء الكبير من الدماغ. وإذا ما قورنت هذه الكائنات الشبيهة بالأمعاء مع أسراب الديدان وأسراب الحشرات، نجد أنها تتمتع باتحاد ذهني أكثر استقرارا ودرجة أكبر من تخصص الأعضاء، غير أنها كانت أكثر بطئا وأقل تكيفا على الحياة تحت الأرضية ، والتي كانت ستفرض بعد ذلك على جميع الشعوب.
هذه العوالم الضخمة القاتمة بغلافها الجوي الشديد الثقل ومحيطاتها الهائلة الاتساع التي لم تكن أمواجها حتى في أعتى العواصف لتزيد أبدا عن تلك التموجات الصغيرة التي نعرفها في الزئبق، قد اكتظت سريعا بالحضارات الشبيهة بقرص العسل من الديدان والحشرات المتنوعة، والملاجئ المتقلقلة للكائنات الشبيهة بالأمعاء. كانت الحياة على هذه العوالم شديدة الشبه بالحياة على «أرض مسطحة» ثنائية الأبعاد. حتى أقوى العناصر الاصطناعية كانت أضعف كثيرا من أن تسمح بأي بنى مرتفعة.
مع تقدم الوقت، نفدت الحرارة الداخلية للنجوم المغلفة بقشرة، وصار من الضروري دعم الحضارة عن طريق التفكيك الذري لقلب النجم الصخري؛ ومن ثم فقد صارت العوالم النجمية بمرور الوقت كرة جوفاء على نحو متزايد تقوم على نظام من الدعامات الداخلية الكبيرة. وواحدا تلو الآخر، راحت الشعوب، بل السلالات الجديدة المنحدرة من الشعوب القديمة، والتي تكيفت على نحو خاص، تأوي إلى ألباب النجوم الخامدة.
كانت هذه الشعوب، رغم انحباس كل منها في عالمه الأجوف، وانعزاله المادي عن بقية الكون، تدعم العقل الكوني تخاطريا. كانت هذه الشعوب هي جسدي. في «التمدد» الحتمي للكون، ظلت المجرات المظلمة على مدار دهور يتباعد بعضها عن بعض بسرعة كبيرة حتى إن الضوء نفسه لم يكن ليرأب الصدع الموجود بينها. غير أن هذا التفكك الهائل للكون كان أقل أهمية لهذه الشعوب النهائية من الانعزال الفيزيائي للنجوم بسبب توقف الإشعاع النجمي بالكامل وجميع أشكال السفر بين النجوم. حافظت جميع الشعوب الموجودة في العوالم العديدة على اتحادها التخاطري. كان الواحد منها يعرف الآخر على نحو حميمي بالرغم من جميع تنويعاتها. ومعا، دعمت العقل الكوني بوعيه لماضي الكون الحيوي المعقد بأكمله، وجهوده التي لا تكل من أجل تحقيق هدفه الروحاني قبل أن تؤدي زيادة الإنتروبيا إلى تدمير نسيج الحضارة المتأصل فيه.
كانت تلك هي حالة الكون حين اقترب من أسمى اللحظات في مسيرته، ومن الاستنارة التي كانت جميع الكائنات في جميع العصور تحاول جاهدة على غير هدى من أجل الوصول إليها . ومن الغريب أن تتمكن الشعوب التي عاشت في هذه الأيام الأخيرة فقيرة ومتكدسة وهي تتابع ما تبقى لها من طاقة، من تحقيق هذه المهمة التي أعيت الشعوب البارعة التي عاشت في الماضي. لا شك بأن مثلهم في ذلك كان كطائر النمنمة الذي تغلب على النسر في الطيران لأعلى ارتفاع. وبالرغم من ظروفهم الصعبة، تمكنت هذه الشعوب من الحفاظ على البنية الأساسية للمجتمع الكوني والعقلية الكونية. وبالبصيرة الفطرية، تمكنت من استخدام الماضي في تعميق الحكمة لديهم بما يفوق أي حكمة سابقة. إن اللحظة الأسمى في الكون لم تكن (أو لن تكون) لحظة بالمعايير البشرية، لكنها محض لحظة خاطفة وفقا للمعايير الكونية. حين كان تقريبا نصف الشعوب الموجودة في ملايين المجرات قد دخلت إلى المجتمع الكوني بصورة كلية، وصار من الجلي أنه من غير المتوقع أن ينضم المزيد، تلت فترة من التأمل الكوني. حافظت الشعوب على حضاراتها الطوباوية المقيدة، وعاشت حيواتها الخاصة في العمل والاتصال الاجتماعي، وقامت في الوقت نفسه بإعادة صياغة البنية الكلية للثقافة الكونية على المستوى العام. لن أروي شيئا عن هذه المرحلة، ويكفي القول إنه قد تم تعيين وظيفة ذهنية إبداعية محددة لكل مجرة وكل عالم، وأن الجميع كان يستوعب عمل الجميع. وقرب نهاية هذه الفترة، أنا، العقل المشترك، قد انبثقت بعد أن تشكلت من جديد، وكأنني قد خرجت من شرنقة؛ وللحظة وجيزة، كانت هي دون شك اللحظة الأسمى للكون، واجهت صانع النجوم.
لم يتبق للمؤلف البشري لهذا الكتاب من هذه اللحظة الأبدية الخالدة التي اختبرتها بصفتي العقل الكوني، سوى بعض من الغبطة المريرة، مع بضع ذكريات مفككة عن هذه الخبرة نفسها والتي منحتني تلك الغبطة.
لا بد لي من أن أحكي شيئا عن تلك الخبرة على نحو ما. ومثلما هو متوقع، أواجه هذه المهمة بشعور فظيع بعدم الأهلية. إن أعظم العقول البشرية عبر جميع عصور التاريخ البشري قد عجزت عن وصف اللحظات التي اختبرت فيها أعمق الرؤى. فكيف أجرؤ أنا على محاولة تنفيذ هذه المهمة؟ بالرغم من ذلك ، فلا بد لي أن أفعل. وحتى مع المخاطرة بما قد أناله من استهزاء وازدراء ولوم أخلاقي، وسيكون ذلك كله مستحقا عن جدارة، لا بد لي أن أذكر ما رأيت. إن البحار إذا تحطمت سفينته وجرفته عوامته دون حول منه أو قوة إلى سواحل مدهشة ثم إلى وطنه مجددا، فإنه لا يستطيع أن يبقى صامتا. ربما يعرض عنه المثقفون اشمئزازا من لهجته الفظة وأسلوبه غير المتقن. وقد يسخر الحكماء من عجزه عن التمييز بين الحقيقة والوهم. غير أنه لا بد أن يتحدث. (3) اللحظة الأسمى وما بعدها
في اللحظة الأسمى للكون، بدا لي أنا، العقل الكوني، أنني التقيت بمصدر جميع الأشياء المتناهية وهدفها.
अज्ञात पृष्ठ