ما قد بدا لنا في أول الأمر على أنه مسيرة جبارة للأرواح العالمية الشبيهة بالإله، والتي كل موارد الكون في أيديها والخلود بالكامل بانتظارها، صار يبدو لنا الآن تدريجيا على شاكلة مختلفة للغاية. لقد جلب التقدم العظيم في القدرة الذهنية وتحقق العقلية المشتركة على مستوى الكون، تغيرا في خبرة الزمن؛ فقد توسع النطاق الزمني للعقل بدرجة كبيرة للغاية. لقد كانت العوالم المتيقظة تشعر بالحقبة على أنه يوم مزدحم فحسب. لقد كان شعورها بمرور الزمن يشبه ما قد يشعر به رجل يبحر بزورق في نهر بطيء عند منابعه، لكنه يتحول إلى جنادل بعد ذلك ويصبح أسرع فأسرع، إلى أن يندفع بعد مسافة ليست بالكبيرة على هيئة شلال أخير في البحر، أي النهاية الأبدية للحياة، والتي تتمثل في انقراض النجوم. ومع مقارنة الفترة الصغيرة المتبقية بالمهمة العظيمة التي كانت ترغب بشدة في تنفيذها؛ وهي تحقيق اليقظة الكاملة للروح الكونية، رأت أنه في أحسن الظروف ما من وقت لديها لتضيعه، والأكثر ترجيحا أن أوان تحقيق هذه المهمة قد فات بالفعل. وقد راودها توجس غريب بأن كارثة غير متوقعة تكمن في انتظارها. فكان يقال في بعض الأحيان: «إننا لا نعرف حتى ما تخبئه النجوم لنا، فما بالنا بصانع النجوم!» وكان يقال في بعض الأحيان: «يجب علينا ألا نطمئن ولو للحظة واحدة، إلى صحة أفضل ما توصلنا إليه من معارف عن الوجود؛ فهي ليست سوى وعي بالألوان التي ترسمها رؤيتنا على غشاء فقاعة واحدة في طبقة واحدة من الزبد على محيط الوجود.» إن هذا الشعور بحتمية عدم كمال جميع المخلوقات وجميع إنجازاتها، قد منح اتحاد عوالم المجرة سحرا وقداسة، وكأنه زهرة رقيقة قصيرة الأجل. وبشعور متزايد بالجمال المتداعي، كنا نحن أنفسنا نتعلم الآن كيفية النظر إلى تلك الطوباوية البعيدة. وفي تلك الحالة المزاجية مررنا بخبرة مميزة.
كنا قد انطلقنا في عطلة من الاستكشاف طالبين الراحة من التحليق غير المتجسد في الفضاء. بعد أن جمعنا رفقتنا من جميع العوالم، تمركزنا بأنفسنا في وعي واحد متحرك، ثم رحنا ننساب وندور فيما بين النجوم والسدم، على هيئة كائن واحد. الآن كان الهوى قد ساقنا إلى الاندفاع نحو الفضاء الخارجي. أسرعنا حتى تحولت النجوم الأمامية إلى اللون البنفسجي، والخلفية إلى اللون الأحمر، ثم حتى تلاشت النجوم الأمامية والخلفية كلتاهما، وحتى اختفت جميع المعالم الظاهرة بفعل السرعة الجنونية التي كنا نحلق بها. وفي الظلمة التامة، تفكرنا في منشأ المجرات ومصيرها، وفي التناقض المروع بين الكون وحيواتنا المنزلية الضئيلة التي كنا نتوق إلى العودة إليها.
الآن كنا في فترة من الراحة، وقد اكتشفنا حينئذ أن موقعنا ليس كما توقعناه. فالمجرة التي انطلقنا منها كانت تقع خلفنا بالفعل على مسافة بعيدة، ولم تكن تزيد في الحجم عن غيمة كبيرة لكنها لم تكن بالشكل الحلزوني البارز الذي كان ينبغي أن تكون عليه. وبعد فترة من الارتباك الذهني، أدركنا أننا كنا ننظر إلى المجرة في مرحلة مبكرة للغاية من وجودها، بل قبل أن تصبح مجرة بالفعل على الإطلاق. إن الغيمة لم تكن غيمة من النجوم بل غيمة رقيقة مستمرة من الضوء. رأينا في قلبها بريقا مبهما راح يخبو بهدوء في المناطق الخارجية المعتمة ويندمج دون حد واضح في السماء السوداء. وحتى السماء نفسها كانت غريبة بعض الشيء؛ فبالرغم من أنها كانت خالية من النجوم، اكتظت بعدد كبير من الغيوم الشاحبة . بدا أن المسافة بيننا وبينها أكبر مما هي عليه بيننا وبين المكان الذي أتينا منه، لكن العديد منها قد تكتل في مجموعة كبيرة في حجم كوكبة الجبار في سماء الأرض. كانت السماء مكتظة للغاية حتى إن العديد من الأجسام الضخمة قد التحمت أطرافها الرقيقة بعضها ببعض، والعديد منها لم يكن يفصل بينها سوى قنوات من الفراغ التي بدت من خلالها آفاق من السدم الأكثر بعدا، والتي كان بعضها بعيدا للغاية حتى إنها لم تكن تبدو إلا كبقعة من الضوء.
كان من الواضح أننا سافرنا عبر الزمن إلى الماضي حين كانت السدم العظيمة ما تزال جيرانا قريبة بعضها من بعض، قبل أن تكون الطبيعة التفجرية للكون قد فعلت ما هو أكثر من فصل هذه السدم من المادة الأولية الملتحمة المكتظة.
وبينما رحنا نشاهد، اتضح لنا أن الأحداث كانت تتكشف أمامنا بسرعة مذهلة. كانت كل غيمة تنكمش على نحو ظاهر وتنسحب بعيدا، وكانت تغير شكلها أيضا. كل مدار مبهم المعالم كان يسطح بعض الشيء ويصبح أكثر تحديدا. وإذ كانت السدم تتراجع ومن ثم تتضاءل؛ فقد صارت تبدو الآن كغيوم عدسية الشكل مائلة من جميع الزوايا. بالرغم من ذلك، فحتى في أثناء مشاهدتنا، كانت تنسحب بعيدا إلى أعماق الفضاء؛ حتى صار من الصعب مراقبة تغيراتها. سديمنا الأصلي فقط هو الذي ظل بجوارنا على هيئة شكل بيضوي ضخم يمتد إلى منتصف السماء. وعلى هذا، قد ركزنا انتباهنا الآن.
بدأت الاختلافات تتضح فيه؛ صارت الغيوم الرقيقة في بعض المناطق أكثر سطوعا، وفي البعض الآخر أقل سطوعا، فتشكلت شرائط وتموجات خافتة كالزبد على موج البحر. تحركت هذه المعالم المبهمة ببطء مثلما تتحرك قطع السحاب على التلال. صار من الواضح الآن أن التيارات الداخلية في السديم تتبع في مجملها نمطا مشتركا. كان ذلك العالم العظيم من الغاز يدور حول نفسه ببطء في واقع الأمر، على نحو شديد الشبه بالإعصار. ومع دورانه حول نفسه، كان يستمر في التسطح. كان يبدو الآن كصورة ضبابية لحصاة مسطحة ومقلمة بالخطوط، تصلح للعبة «رمي الحصى على الماء»، تقع على مسافة قريبة للغاية من العين فلا تتضح معالمها. لاحظنا الآن بحاسة بصرنا الجديدة والمدهشة، أن نقاطا مجهرية من الضوء الأقوى كانت تظهر الآن في مناطق متفرقة على الغيمة، لا سيما في المناطق الخارجية. وفي أثناء مشاهدتنا، ازداد عددها وأظلمت المسافات فيما بينها. وبهذه الطريقة، ولدت النجوم.
كانت الغيمة العظيمة ما تزال تتمدد وتتسطح. وسرعان ما صارت قرصا من تيارات النجوم الدوارة وجدائل من الغاز غير المتكاثف، وهي آخر الأنسجة المتفككة من السديم الأولي. استمرت هذه في الحركة ضمن الكيان الكلي من خلال نشاطها شبه المستقل، فراحت تغير أشكالها وتزحف كالكائنات الحية، وتمدد أقدامها الكاذبة وتختفي بوضوح مثلما تختفي الغيوم، لكنها كانت تفسح المجال لأجيال جديدة من النجوم. كان قلب السديم يتكاثف الآن إلى كتلة أصغر تزداد معالمها وضوحا. صار كرة ضخمة محتقنة بالبريق. وفي أرجاء القرص، ظهرت عقد وتكتلات من الضوء كانت هي أجنة عناقيد النجوم. وانتثرت في السديم بأكمله تلك الكرات الزغبية الرقيقة الشبيهة بكرات الزينة الخيالية المتلألئة، وكل منها كانت حبلى في حقيقة الأمر بكون صغير من النجوم.
استمرت المجرة؛ إذ صار من الممكن الآن تسميتها بهذا الاسم، في الدوران على نحو ظاهر بانتظام شديد. انتشرت جدائلها المؤلفة من تيارات النجوم على امتداد الظلام. الآن قد بدت كأنها قبعة ضخمة بيضاء عريضة الحافة، ذروتها كتلة لامعة، وحافتها حيز رقيق من النجوم. لقد كانت قبعة كاردينالية دوارة. كانت الجديلتان الطويلتان الدوارتان على الحافة تيارين حلزونيين طويلين من النجوم. وقد انفصلت أطرافهما المهترئة وأصبحت مجرات فرعية تدور حول النظام المجري الأساسي. تأرجح الكيان الكلي كقمة دوارة ومال أمامنا، وبدت الحافة كشكل بيضاوي يزداد ضيقا أكثر فأكثر، حتى صارت الآن حدا رفيعا فحسب، وشكل طرفها الأقصى الذي كان يتألف من مادة غير لامعة، خطا رفيعا مظلما من العقد ينتشر على امتداد المادة الداخلية المتوهجة المكونة للسديم والنجوم. وإذ دققنا النظر لكي نتمكن من رؤية نسيج هذه الأعجوبة اللامعة والمتلألئة - هذا النوع الأكبر على الإطلاق من الأجسام الموجودة في الكون - وجدنا أنه بالرغم من أن رؤيتنا الجديدة كانت تشمل المجرة بأكملها والمجرات البعيدة، فإنها كانت ترى كل نجم بمفرده على أنه قرص ضئيل يبتعد عن أقرب جيرانه بقدر ما تبتعد شجرة فلين في المحيط القطبي الشمالي عن أخرى في المحيط القطبي الجنوبي؛ ولهذا فبالرغم من الجمال السديمي البراق الذي يتخذه الشكل الإجمالي للمجرة، فقد بدت لنا فراغا يتناثر عليه وميض شحيح للغاية.
حين راقبنا النجوم عن كثب، رأينا أن تياراتها كانت تتداخل أحيانا بينما كانت هي تسبح في جماعات كأسراب الأسماك. وقد بدا بعد ذلك أن النجوم التي تسبح في تيارات مختلفة حين يقطع بعضها مسار بعض، يسحب بعضها بعضا فتتحرك في منحنيات ضخمة واسعة حين تمر من تأثير جار إلى آخر؛ لذا فبالرغم من بعد النجوم بعضها عن بعض، فمن المثير أنها كثيرا ما كانت تبدو كأنها كائنات حية دقيقة يفهم بعضها بعضا عن بعد. وفي بعض الأحيان كان بعضها يدور حول بعض في حركة زائدية المقطع أو يبتعد بعضها عن بعض، وفي حالات أكثر ندرة كانت تتحد لتكون أنظمة ثنائية.
كان الوقت يمر أمامنا بسرعة كبيرة، حتى إن الدهور كانت تمر في لحظات. كنا قد رأينا النجوم الأولى تتكاثف من النسيج السديمي كعمالقة حمر، بالرغم من أنها كانت تبدو من على بعد ضئيلة للغاية. عدد مدهش من هذه النجوم قد انفجر إربا، ربما بفعل قوة الطرد المركزي لدورانها، ليكون أنظمة ثنائية؛ بحيث أخذت السماء على نحو متزايد تمتلئ بهذه الأزواج الراقصة في السماء. وفي هذه الأثناء، كانت النجوم العملاقة تتقلص ببطء ويزداد سطوعها. كانت تتحول من اللون الأحمر إلى اللون الأصفر ثم إلى اللونين الأبيض البراق والأزرق. ومع تكاثف النجوم العملاقة الأخرى الأصغر سنا حولها، كانت تتقلص في الحجم أكثر فأكثر ويتغير لونها مرة أخرى إلى الأصفر والأحمر المحترق. الآن كنا نشاهد أقدم النجوم وهي تنطفئ الواحدة تلو الأخرى مثلما ينطفئ الشرر من النار. ازدادت حوادث الموت هذه ببطء لكن بثبات. وفي بعض الأحيان، كان أحد «المستعرات» يتوهج فيغطي على ضياء جميع جيرانه للحظة، ثم يخبو. وبين الحين والآخر، ينبض نجم «متغير» بسرعة لا يمكن تصورها. وبين الفينة والأخرى، كنا نرى أحد الأنظمة النجمية الثنائية ونجما آخر يقترب كل منهما من الآخر بشدة حتى إن أحدهما يصل بخيط من مادته باتجاه شريكه. ومع التدقيق ببصرنا الخارق للطبيعة، رأينا هذه الخيوط تنكسر وتتكاثف إلى كواكب. وقد كنا في غاية الدهشة من الحجم المتناهي الصغر لبذور الحياة هذه وندرتها بين العدد الضخم من النجوم العديمة الحياة.
अज्ञात पृष्ठ