كانت فريدة قد أصبحت بالفعل حب عمره، أو كانت قد أصبحت على الأحرى حبه الوحيد، فلم يسبق له أن وقع فيما يسمونه الحب إلا معها هي. ظل ياسين على الدوام شابا محبوبا لوسامته وذوقه، لكنه ظل طوال الوقت يعامل زميلاته كأخوات، لم تكن له مغامرات عاطفية أو جنسية كالكثيرين من زملائه في الجامعة أو من معارفه خارجها؛ ربما بسبب تربيته الملتزمة في المنزل، أو بسبب طبيعته الخجولة. لم يكن ياسين حتى يدخن رغم أن غالبية أقرانه كانوا في تلك الفترة قد ذهبوا بالفعل أبعد كثيرا من مجرد التدخين. •••
في غرفة فريدة الصغيرة ذات الجدران المطلية بلون وردي فاتح، والتي تغطي مساحات واسعة منها ملصقات كبيرة لقلوب حمراء وأطفال ضاحكين وشخصيات كارتونية. كما تحتل مساحة معتبرة من أرضيتها دمى قطنية وإسفنجية متعددة الأحجام والألوان. كانت الغرفة بشكل عام تبدو للوهلة الأولى كغرفة طفلة في العاشرة، لا كغرفة شابة جامعية على مشارف العشرين من العمر، هناك جلست فريدة على طرف سريرها المرتب بعناية، ودون أن تغير ملابسها منذ عادت من الكلية. جلست مطرقة إلى الأرض تضم يديها على صدرها كما لو كانت تهدئ من سرعة ضربات قلبها المتزايدة، أو تكتم صوت خفقانه لكيلا ينتبه إليه من بالبيت. احتاجت إلى بعض الوقت لكي تملك زمام نفسها وتستعيد ما حدث ذلك الصباح بالكلية، استغرقت في التفكير وفي إعادة رسم الموقف في ذهنها حتى لا تهرب منها أي تفصيلة، حتى انتبهت على صوت طرقات والدتها على باب الغرفة تدعوها للحاق بالغداء قبل أن يبرد الطعام. كانت وحيدة والديها، تقيم معهما في الشقة الصغيرة التي تزوجا فيها قبل عقدين من الزمن بالطابق الثاني من بناية متوسطة العمر بالشارع الهادئ القصير الموازي لشارع الترام، ما بين محطتي جليم والفنون الجميلة، واحدة من تلك الشقق التي يسكنها محظوظون ما زالوا يدفعون ستة جنيهات إيجارا شهريا طبقا لقوانين الإيجارات الموروثة من العهد الاشتراكي ، لم تكن تلك الجنيهات الست تكفي لشراء دجاجة، بينما لم يكن سعر الشقة المماثلة بنفس الشارع ليقل عن مائة ألف من الجنيهات. كان ذلك الوضع يعطي عن سكان تلك الشقق انطباعا كاذبا بالغنى، بما أنهم يقيمون في منطقة راقية مثل هذه، بينما غالبيتهم في الحقيقة مجرد موظفين حكوميين لا يملكون - فيما عدا ما ورثه بعضهم عن أسلافهم - إلا رواتبهم الهزيلة وما تتعطف عليهم به الحكومة من نفحات غير منتظمة لتكسب ولاءهم أحيانا، أو لتمتص غضبهم في أحيان أخرى.
كانت فريدة في تلك الأيام مراهقة خجولة، خلعت للتو زيها المدرسي الأزرق الداكن وبدأت تخطو بتردد إلى عالم الشباب الجامعي المنفتح المتهور. لم تختلط كثيرا بالشباب في الجامعة، ولم تكن تجد الأمان إلا في صحبتها الصغيرة من البنات المتخرجات معها في ذات المدرسة الإنجليزية العريقة ذات التقاليد الصارمة على الجانب الآخر من الشارع الذي يفصلها عن كلية الهندسة حيث صارت تدرس الآن. ظلت تصد الزملاء الراغبين في توطيد علاقتهم بها، وتفضل إبقاء الجميع خارج دائرتها الخاصة ولو مؤقتا؛ حتى تفهم أسرار ذلك العالم الجديد الذي دخلت إليه. مثله كانت، بلا مغامرات سابقة، فقط مجرد إعجاب صامت أو حب مراهقة من آن لآخر ككل المراهقات في عمرها؛ أعجبت بمدرس الكيمياء الوسيم لفترة، وبالجار الرياضي الشاب لفترة أخرى، ولكنها لم تجرؤ على البوح بشيء من ذلك إلا لرحاب؛ صديقتها المقربة التي لم تكن بأشجع منها على أي حال.
ثم كان ذلك اليوم الذي التقت به ياسين؛ كانت صديقتها رحاب قد تعرفت إليه من قبل من خلال زملائها من أصدقائه، ثم عرفتهما بدورها إلى بعضهما البعض. تذكر فريدة جيدا طلته الساحرة وقوامه المنضبط وهو قادم في اتجاههم مرتديا ذلك القميص القطني الأزرق ذي الأكمام الطويلة المشمرة حتى نهاية ساعديه، والجينز السماوي الفاتح. تذكر جيدا ابتسامته الرائقة التي لمحت فيها بعضا من المرح مع القليل من الخجل، والقليل من شيء ثالث لم تستطع تمييزه وقتها، لكنها عرفته لاحقا مع تعدد لقاءاتهما ؛ إنه الارتباك.
مضى أكثر بقليل من عامين على ذلك اليوم، عام وعشرة أشهر وستة أيام بالتحديد، فقد التقيا في العاشر من مارس عندما كانت في السنة الإعدادية - نعم ما زالت تذكر التاريخ - بينما اليوم هو السادس عشر من يناير - وستذكر ذلك التاريخ كذلك - وهي الآن في السنة الثانية بقسم العمارة الذي التحقت به بعد اجتياز السنة الإعدادية رغم محاولات صديقاتها إقناعها بالانضمام إليهن. كانت تدرك أن عقلها ليس رياضيا مثلهن ولا مثله، وأن دراسة هندسة الكهرباء لن تناسبها. كان قد سحرها قسم العمارة منذ دخلته للمرة الأولى بصحبة طالبة كانت بالسنة الثانية في نفس القسم، عندما تعرفت عليها مصادفة وسألتها عن ذلك القسم، وكيف هي طبيعة الدراسة به، كما اعتادت أن تفعل مع من تعرفهن من مختلف الأقسام حتى تستطيع اختيار القسم الذي يناسبها بعد السنة الإعدادية. أجابتها تلك الفتاة يومها بأنها ستأخذها إلى القسم لتتعرف إليه بنفسها، ثم صعدتا معا إلى ذلك المكان السحري الذي يحتل الطابقين الأخيرين أعلى مبنى الإدارة المطل بواجهته العريضة المهيبة ذات التصميم الفرعوني على طريق الحرية. منذ اللحظة الأولى شعرت بأن هذا المكان لا يشبه بقية الكلية؛ الهواء مختلف هناك بالأعلى، الطلبة مختلفون، الأسقف عالية بشكل لافت، والنوافذ كبيرة، والمنظر الخارجي ساحر. أسرتها صالات الرسم الواسعة التي يصدح صوت أم كلثوم في خلفيتها، بينما فتيات وشبان يفترشون الأرض ويتناقشون بصخب في موضوع ما، وهم يتقاسمون طعاما منزليا من أوان معدنية صغيرة. وبينما آخرون منكبون باستغراق تام على طاولات الرسم، واضعين سماعات صغيرة في آذانهم. بينما يتكوم شاب بجوار أحد الجدران غارقا في النوم، ملتحفا بسترة جلدية. كانت الألوان هناك في كل مكان، على الجدران وعلى طاولات الرسم، وعلى اللوحات. كان على بعض الجدران رسمات يدوية كبيرة بأقلام الفحم الخشن لوجوه فنانين ولمبان كلاسيكية. كان ذلك المكان عالما منفصلا بشكل كلي عن عالم الكلية الجاف الكئيب الذي تعرفه بالأسفل. كانت كلمة السر في هذا القسم هي الإبداع. لم تحتج لزيارة أخرى لتعرف أنه يمكنها هنا أن تطلق لخيالها العنان، لم تكن تريد بالقطع أن تقضي سنوات أربع أخرى بين النظريات الرياضية الجافة والمعادلات الفيزيائية المعقدة في قسم الكهرباء بمبناه البارد الكئيب، بل كانت تريد قضاء سنواتها الدراسية المقبلة في هذا العالم المبهج الملون. كانت في داخلها منطلقة تعشق الحياة، مغامرة وحالمة رغم خجلها الناتج عن تربية محافظة في البيت والمدرسة، أو ربما كانت تلك التربية هي ما أشعل بداخلها تلك الرغبة الدائمة في الانطلاق. •••
ظلا يلتقيان في الكلية بانتظام طوال أيام الدراسة، بينما يتبادلان مكالمات تليفونية خجولة ومتباعدة خلال إجازة الصيف أو منتصف العام. كانت أمها ترمقها بنظرة غامضة حينما كان يطلبها على هاتف المنزل، نظرة ما بين الارتياب والتمني. ظلت علاقتهما تتطور في حدود ما بدا ظاهريا كأنه مجرد صداقة، لم تكن الصداقة هي ما تريد بالطبع، ولكنه لم تفلت منه كلمة أو نظرة تفصح عما بداخله طيلة تلك الشهور، حتى بدأت تتعايش مع ذلك الوضع وتفقد الأمل في أن تنتقل تلك العلاقة إلى المرحلة التي تنتظرها. إلى أن جاءها في ذلك اليوم؛ السادس عشر من يناير عام 1992م، كانت عيناه تلمعان في ذلك الصباح بشيء جديد لم تختبره فيه من قبل، مرتديا سترة جلدية رمادية فوق قميص من القطن السميك بشكل مربعات سوداء وحمراء على طراز قمصان رعاة البقر التي كانت موضة تلك الأيام، كما هو الحال مع حذائه التكساس الجلدي الأسود ذي المقدمة الرفيعة والكعب القصير المدبب. تعلم فريدة مسبقا أنها هي وحدها من ستتذكر كل تلك التفاصيل، وأن ياسين سينسى - كعادته - حتى ما كان يرتديه بالأمس.
تقدم منها بملامح جامدة بعض الشيء وسألها إن كان لديها بضع دقائق ليتحدث معها قليلا، لم يفصح عما يريد التحدث بشأنه، كان عندها الوقت له دائما، وكانت تعرف أنه يعرف أن عندها الوقت له دائما، ولم تكن تفهم لماذا يسألها سؤالا كهذا، لكنها أومأت بالإيجاب فطلب منها الابتعاد قليلا عن صخب الأصدقاء الذين كانوا يتجادلون في حماس بخصوص مباراة كرة القدم التي خسرها المنتخب الوطني قبل ثلاثة أيام. مشيا متجاورين صامتين عبر الممر المظلل بأشجار النخيل الشاهقة حتى ابتعدا في اتجاه مبنى الإدارة، ثم عبرا من خلاله إلى الحديقة الأمامية الشاسعة التي تنحدر للأسفل، حتى البوابات المغلقة المطلة على طريق الحرية، والتي لم يكن يرتادها الكثير من الطلاب. كان مترددا، تشعر به وتعرف أنه اليوم مختلف، لا تعرف وجه الاختلاف، لكن قلبها يخفق بقوة لإدراكها أن شيئا كبيرا سيحدث اليوم، وأنها ستتذكر تفاصيله لبقية عمرها، وكانت مرتعبة من أن يكون ما سيعلق بذاكرتها سيئا.
توقف عن المشي هبوطا بين الحدائق التي تفتحت فيها أزهار حمراء وصفراء منسقة بعناية ثم استدار إليها، صار في مواجهتها ومن خلفه يقف مبنى الإدارة الشاهق بشموخه الفرعوني وأعمدته الرسمية الكبيرة، وفي أعلاه تبرز نوافذ صالات الرسم بقسم العمارة. توقفت الكلمات على شفتيه لوهلة كما بدا لها، كانت تدرك جيدا أنه لا يعرف كيف يبدأ في قول ما يريد أن يقول، وزاد ذلك من ارتياعها حتى كادت تشرع في النطق بأي شيء تستفسر به عما يريد، فإذا بصوته يأتيها واضحا، قويا، وبكل ثقة وبساطة العالم سألها: هل تقبلين الزواج مني؟
قالها في لهجة محايدة كأنما كان يسألها إذا كانت تريد شرب الشاي أم العصير، لكنه كان ينظر في عينيها وهو ينطق بتلك الكلمات، كان ينظر في عينيها بعمق هذه المرة، وكانت على شفتيه ابتسامة المرح والخجل فقط، دون ارتباك. •••
في صالة شقة متواضعة جلس ياسين على كرسي خشبي عتيق الطراز يصغي في انتشاء إلى تسجيل قديم عبر جهاز كاسيت رديء، بينما يحتسي الشاي الصعيدي الداكن مع صديقه شاذلي، زميل الدراسة الطيب الذي ألقى به مكتب التنسيق من مدينة إسنا الوادعة في أقاصي الصعيد ليدرس في جامعة الإسكندرية، والذي يتشارك مع سبعة آخرين من الطلبة المغتربين الفقراء القادمين مثله من محافظات بعيدة في الإقامة بتلك الشقة المتواضعة بالطابق الثالث من بناية تخطى عمرها الستين عاما في زقاق متفرع من شارع تانيس، أحد شوارع منطقة كامب شيزار العتيقة، والتي صارت منذ سنوات طويلة متخمة بالشقق التي تؤجر مفروشة للطلبة المغتربين، لقربها من الجامعة بعد أن رحل سكانها الأصليون من اليونانيين والأرمن والإيطاليين. شقة قديمة بسيطة إلى حد الخواء، أرضيات من بلاط الموزايكو الرخيص الذي اسودت أجزاء كبيرة منه لندرة التنظيف، وهبطت أجزاء أخرى نتيجة تأثير الزمن، نوافذ طويلة غير محكمة الإغلاق استبدلت الأجزاء المتكسرة من زجاجها بورق مقوى من خلفية تقويمات قديمة تحمل شعارات بعض مصانع القطاع العام، جدران عالية ملطخة بآثار الأكف والأقدام واحتكاك قطع الأثاث ونشع رطوبة البحر القريب التي تخترق العظام لا الجدران وحسب. لا يتجاوز ما تحتويه الشقة من أثاث بضعة أسرة معدنية، وخزانات ذات أبواب صدئة ومقاعد متهالكة. كانت الشقة على مبعدة خطوات من محطة ترام كامب شيزار، حيث توجد سينما أوديون المتخصصة في عرض أفلام المقاولات العربية الرخيصة، بجانب أفلام بروس لي وفان دام وما إلى ذلك من تلك النوعية من أفلام المراهقين من طلبة المدارس والمغتربين الريفيين الذين يشكلون السواد الأعظم من رواد تلك السينما.
अज्ञात पृष्ठ