تمثال سعد باشا.
ثم ذهبوا إلى مخادعهم، وفي منتصف الساعة الرابعة صباحا كان محمد بركات قد عاد من بلبيس، فأيقظهم فنهضوا وأرسلوا حقائبهم إلى الباخرة، ومكثوا ينتظرون نزول دولة الرئيس، وكان من المقرر أن ينزل دولته في منتصف الساعة الخامسة، وأخلوا الطريق إلى الباخرة من العابرين، ولما حانت ساعة القيام من مسجد وصيف، شعروا بحركة، فعلموا أن دولة الرئيس نازل، فجروا لاستقباله، وركب دولته عربة عمدة مسجد وصيف وإلى يساره الدكتور شفيق، وسارت العربة حتى الشاطئ وتقدمها صحب سعد في سكون مهيب، صامتين لا يتكلمون إلا همسا، واستحوذ عليهم شعور مبهم: خليط من القلق والاضطراب والحزن والوجوم، ولما وصل الرئيس إلى الشاطئ حاول من حوله أن يحملوه على «كرسي» أعد لذلك فأبى وقال: «دعوني»، وسار معتمدا على عصاه حتى وصل إلى الغرفة التي أعدت لدولته بالباخرة، وعلى أثر مجيء دولته جاءت حضرة صاحبة العصمة حرمه المصون ومن معها. (5) الوداع الأخير لمسجد وصيف
وقبل أن تتحرك الباخرة نادوا مأمون أفندي الريدي، سكرتير دولة الرئيس، وزودوه ببعض التعليمات؛ لأنه كان من المقرر أن يبقى بمسجد وصيف إلى الظهر؛ حتى لا يفهم الناس من غيابه أن الرئيس غادر مسجد وصيف. وفي الساعة السابعة كانت الباخرة تعلن بصفيرها إيذانها بالرحيل.
وكان هذا آخر عهد سعد بمسجد وصيف، بل آخر عهد مسجد وصيف بالرئيس الجليل! (6) إذعان الزعيم للأغلبية
ومما هو جدير بالذكر هنا أنه لما استقر قرار ثلاثة من الأطباء على نقل الرئيس من مسجد وصيف إلى العاصمة، وأيدتهم أم المصريين في قرارهم، صعد فخري عبد النور بك إلى حجرة الفقيد العظيم ورجا منه ألا يمتثل لهذا القرار، وأن يصر على البقاء في مسجد وصيف.
فكان جواب سعد باشا: «إني لا أشعر بما يستوجب نقلي إلى العاصمة، ولكن الأغلبية قررت وجوب هذا الانتقال؛ فالنظام يقضي بأن أذعن لقرار الأغلبية متكلا على الله.» (7) سعد وخوفه من الساعة الواحدة
وفي الساعة الواحدة من ليل الاثنين في 22 أغسطس اشتدت وطأة المرض على المغفور له سعد زغلول باشا اشتدادا عظيما فزع له الأطباء وجزعوا ...
ولما أزفت الساعة الثامنة من مساء اليوم التالي (الاثنين) التفت سعد باشا إلى حرمه المصون وقال لها: «أنا خائف من الساعة الواحدة أيضا»، فقالت له: «دع عنك مثل هذه الأوهام يا سعد، فإنه إذا كان المرض قد اشتد عليك أمس الساعة الواحدة فهذا ليس معناه أنه سيشتد عليك الساعة الواحدة من هذا الليل أيضا.» فأخذ رحمه الله ساعته ووضعها على وسادته، وجعل ينظر إليها كل نصف ساعة ويسجل الوقت بصوت مرتفع قائلا: «ثمانية ونصف ... تسعة ... تسعة ونصف ... عشرة.»
ولما قربت الساعة الثانية عشرة خشيت أم المصريين إذا أزفت الساعة الواحدة واشتد المرض على سعد أن يؤثر وهمه في مرضه تأثيرا سيئا قد يضر بصحته، فتناولت ساعته خفية وأدارتها وجعلتها الثانية بدلا من الثانية عشر.
وفي الساعة الواحدة تماما اشتد المرض على الفقيد العظيم وارتفعت الحرارة فجأة إلى 41، فمد يده وتناول ساعته وحدق فيها قليلا ثم مر على وجهه بكفه وقال على الأثر: «أنا لا أزال أملك حواسي ... فمن المحال أن تكون الساعة الثالثة الآن.»
अज्ञात पृष्ठ