حدثنا معالي فتح الله بركات باشا فقال: «في 23 ديسمبر سنة 1921 اعتقلت السلطة العسكرية صاحب الدولة سعد زغلول باشا، رئيس الوفد المصري، في داره ببيت الأمة، وأرسلته إلى السويس بسيارة اجتازت المسافة بين المدينتين في نحو ثماني ساعات، لم يشعر دولته في أثنائها بتعب ما رغم شيخوخته وانحراف صحته، كأن العناية الربانية نفخت فيه روحا جديدة ساعدته على تحمل ما تكبده في تلك الرحلة الطويلة من تعب ومشقة، مما كان لا يقوى على تحمله ساعة واحدة في الأحوال العادية، وخصوصا أن الفصل كان فصل شتاء ومطر.
ولم يمض علينا في عدن زمن طويل حتى أصيب رفيقنا الأستاذ مكرم عبيد بمرض شديد اقتضى نقله إلى المستشفى، فأصر المرحوم عاطف بركات باشا ومصطفى النحاس باشا على أن يكونا بصحبته وتطوعا للذهاب معه للسهر عليه وخدمته، وأخيرا اتفقنا معهما على أن يتناوبا العمل في العناية به؛ فيقضي عاطف باشا معه أربعا وعشرين ساعة، ثم يعود إلينا، ويحل مصطفى باشا محله أربعا وعشرين ساعة أخرى.
وكنت مصابا في تلك الأثناء برمد في إحدى عيني، فكان سعد باشا يعودني ليستفسر عن صحتي، فلا تكاد عينه تقع على عيني حتى يرثي لحالي وحال الأستاذ مكرم، فيجهش بالبكاء وتنهمر الدموع من عينيه الصافيتين على خديه وتتصاعد الزفرة من قلبه تلو الزفرة، فأتأثر لتأثره أكثر من تأثري لحالي وحال زميلي ... وكنت أعجب لمسلك سعد باشا وأقول في نفسي هل يجوز له أن يبكي، يا ترى، لمرض رفيق؟ وهو الذي ينبغي عليه أن يكون قدوة لشعب بأسره في التضحية والبذل والمثابرة والشجاعة والإقدام ...
في تلك الساعة تذكرت أنه كثيرا ما عرفت أناسا اتصفوا بالشجاعة مع أنهم لم يعملوا عملا تجلت فيه الشجاعة، وأنه كثيرا ما التقيت بأناس اشتهروا بالفصاحة والبلاغة مع أن كتاباتهم لم تكن من بنات أفكارهم ولا من ثمرات أقلامهم، وأنه كثيرا ما صادفت أناسا عرفوا بالتقوى والفضل مع أنهم ليسوا من التقوى والفضل بشيء؛ تذكرت ذلك كله ثم تساءلت قائلا هل سعد باشا من أولئك الناس، يا ترى؟ وهل ما عهدناه فيه وما كنا نظنه فيه يرجع إلى التفاف الأمة حوله وانضوائها تحت لوائه لا إلى أخلاقه وصفاته الشخصية؟ ...
جزعت لهذه الفكرة واضطربت أعصابي، ولم يعد يهدأ لي بال، غير أن ما انتابني من جزع وفزع لم يدم طويلا؛ فإنه بينما كنا جالسين ذات يوم نتناول طعام الإفطار، دخل علينا وكيل حاكم عدن، وهو إنجليزي، وحيانا وجلس معنا، فدعوناه إلى الأكل فاعتذر شاكرا، ثم التفت إلى سعد باشا وقال له إنه تلقى أمرا بوجوب ترحيله إلى جزائر سيشل، وأنه يجب على دولته أن يكون في البارجة الحربية التي أعدت خصيصا لنقله إلى تلك الجزائر في خلال ساعة ونصف ساعة؛ فصعقنا لهذا النبأ، وكيف لا نصعق له ونحن نرى أناسا يفصلون عنا أبانا وزعيمنا وأبا الأمة وزعيمها، فطلبنا إلى وكيل الحاكم أن يسمح لنا بالسفر مع سعد باشا، فأجابنا أن الأمر الذي بيده صريح وهو لا يذكر غير سعد باشا، فبكينا بكاء الأطفال وأخذنا نندب سوء مآلنا لافتراقنا عن الوالد الزعيم، ثم قلنا لوكيل الحاكم: «إذا كنتم لا تريدون أن تسمحوا لنا بصحبة سعد باشا، فلا أقل من أن تسمحوا لأحدنا بصحبته؛ رأفة بصحته وشفقة على شيخوخته»، فقال: «إني سأبلغ أمنيتكم هذه إلى المراجع العليا، ولكن لا بد الآن لسعد باشا من أن يتوجه وحده إلى البارجة التي اختيرت لنقله إلى سيشل.» وكان كل من الزملاء يتسابق عندئذ إلى أن يكون في ركاب سعد باشا، مع أن السائد على أفكارنا كان أنه ذاهب إلى الأبد، وأن من يبقى في عدن قد يعود إلى الوطن، غير أن التسابق والتزاحم إلى مرافقة سعد كانا عظيمين رغما من هذا الاعتقاد، وكان كل منا يشعر بأن السعيد هو من يفوز بهذه الأمنية الثمينة. ولما ألفينا وكيل الحاكم مصمما على رأيه شرعنا في كتابة كتاب شديد اللهجة وجهناه إلى السلطة البريطانية محتجين فيه بقوة على المعاملة التي عومل بها رئيسنا وزعيمنا، وطلبنا في ختامه أن يلحقونا به ويرسلونا في أثره أو أن يبقوه معنا.
ولما فرغنا من كتابة الاحتجاج، اتصل خبره بسعد باشا، فاستحلفنا بكل عزيز علينا ألا نرسله قائلا: «إنني أعلم أني لن أرجع إلى مصر وأن قبري لن يكون في مصر، وقد كاشفتكم برأيي في هذا الصدد من زمان طويل، فإنه لا يعقل أن أعود إلى مصر إلا في حال من حالتين لا ثالث لهما؛ فإما أن ترجع انجلترا عن خطتها وتعترف لمصر باستقلالها، وعندئذ يعود زعيم الاستقلال إلى بلاده ويقضي البقية الباقية من حياته بين قومه، أو يعدل زعيم الاستقلال عن خطته ويقلع عن سياسته، فيرجع إلى بلاده خاضعا للسلطة المحتلة؛ وحيث إني لا أنوي أن أسلك هذا المسلك، وحيث أنه لا يبدو لنا أن إنكلترا تنوي الاعتراف باستقلالنا، فإني سأقضي بقية حياتي خارج بلادي، فلماذا تصرون على إرسال هذا الاحتجاج الذي لا يغنينا فتيلا، وخصوصا أنه قد يزيد في بغضهم لكم فيعوقون رجوعكم إلى قومكم لخدمة بلادكم؟! فدعوني أذهب إلى سيشل وارجعوا أنتم إلى مصر، وأبلغوا أبناءها الأعزاء أن زغلولا يحييهم ويوصيهم بالاتحاد وتوحيد الجهود إلى ما فيه خير الوطن ... قولوا لهم ... أبلغوهم ...»
وهكذا استمر سعد باشا يسدي إلينا النصح والإرشاد ببلاغته المعهودة وحكمته المعروفة وثبات تام، إلى أن أزف موعد الرحيل، فرافقناه إلى الميناء ونحن نبكي ونولول كالأطفال، أما هو فكان رابط الجأش، ساكن الجنان، ثابت الخطى، جهوري الصوت، لم يذرف دمعة واحدة حتى آخر لحظة ...
وعندئذ عجبت كيف أن هذا الرجل الذي كان يبكي لأقل ألم يصاب به أحد صحبه يقوى في مثل هذا الموقف على التغلب على عواطفه وشعوره ويكفكف دموعنا ويهدئ من روعنا.
وعندئذ عرفت أن الرحمة والشفقة في قلب الزعيم شيء، وأن روح البذل والتضحية في سبيل الوطن شيء آخر، وأنه رجل لا يهاب المكاره مهما عظمت، ولا يحفل بالأخطار مهما كبرت، ما دام يعتقد أنه سائر في طريق الحق، يعمل لأجل الحق، وفي سبيل الحق.
ولما وطئت قدما سعد باشا الزورق الذي أقله إلى البارجة الحربية، التفت إلينا وأنشد ما أنشده الشاعر العربي:
अज्ञात पृष्ठ