28 ⋆
ويجعل الشقاء في ضياع العقل، ويقول (16: 22): «العقل ينبوع الحياة لصحابه وتأديب السفهاء السفه.» ولا ننسى أن كلمة حياة، على إطلاقها، تعني في العبرية الحياة الحقة، كما يتضح في التثنية (30: 19)
29
وعلى ذلك، فإن سليمان يجعل ثمرة الذهن في الحياة الحقة وحدها، كما يجعل العذاب في الحرمان منه، وهذا يتفق كل الاتفاق مع ما ذكرناه من قبل في النقطة الرابعة بشأن القانون الإلهي الطبيعي. كذلك يدعو هذا الحكيم صراحة إلى أن منبع الحياة هذا - أي الذهن وحده - هو الذي يضع قوانين للحكماء كما ذكرنا من قبل، لأنه يقول (13: 14): «شريعة الحكيم ينبوع الحياة.»
30 ⋆
أي إنها الذهن، كما يتضح من النص المذكور من قبل. كذلك يدعو صراحة في الإصحاح 3: 13، إلى أن الذهن يهب الإنسان السعادة والهناء والاطمئنان الحقيقي للنفس، فيقول: «طوبى للإنسان الذي وجد الحكمة وللرجل الذي نال الفطنة.» وسبب ذلك (كما نرى بعد ذلك في الآيات 16-17) أن: «طول الأيام في يمينها، وفي يسارها الغنى والمجد طرقها (تلك التي يخبرنا بها العلم) طرقها طرق نعمة، وجميع مسالكها سلام.» وإذن فالحكماء وحدهم - حسب قول سليمان - يعيشون في سلام وبنفس مطمئنة ولا يعيشون كالفاسقين ذوي النفوس المتقلبة فريسة للانفعالات المتضاربة، ومن ثم (كما يقول أشعيا، 57: 20)
31
لا يكون لهم سلام ولا اطمئنان. وأخيرا يجب أن نذكر، خاصة في أمثال سليمان هذه، ما يوجد في الإصحاح الثاني، وهو ما يتفق تماما مع وجهة نظرنا. تبدأ الآية الثالثة هكذا: «إن ناديت الفطنة وأطلقت إلى الفهم صوتك ... فحينئذ تفطن لمخافة الرب، وتدرك معرفة الله (أو الحب لأن كلمة ياداه
32 ⋆
تفيد المعنيين)، وأن الرب يؤتي الحكمة ومن فيه العلم والفطنة.» وبهذه الكلمات يبين بوضوح تام أولا أن الحكمة أو الذهن هو وحده الذي يعلمنا خشية الله بطريقة حكيمة، أي أن نتوجه إليه بعبادة دينية بالمعنى الصحيح، ويعلمنا ثانيا أن الله هو منبع الحكمة والعلم وأن الله هو واهبهما. وهذا بعينه هو ما أثبتناه من قبل من أن ذهننا وعلمنا يعتمدان عل فكرة الله أو معرفتنا به، ويصدران عنهما، ويكتملان بهما. ويستمر سليمان في شرحه في الآية 9 فينادي صراحة بأن هذا العلم يحتوي على الأخلاق الحقة والسياسة الحقة، اللتين تصدران عنه: «حينئذ تفطن للعدل والحق والاستقامة وكل منهج صالح.» وهو لا يكتفي بهذا، بل يواصل كلامه قائلا: «إذا دخلت الحكمة في قلبك، ولذت نفسك العلم، يحافظ عليك التدبير، وترعاك الفطنة.» كل هذا يتفق اتفاقا تاما مع العلم الطبيعي الذي يعلم الأخلاق والفضيلة الحقة عندما نكتسب معرفة الأشياء ونتذوق فضيلة العلم؛ وعلى ذلك فإن سعادة من ينمي ذهنه الطبيعي، وكذلك هدوء نفسه، لا يتوقفان - فيما يقول سليمان
अज्ञात पृष्ठ