أما المويلحي إبراهيم، فكان أكثر من ند «لأحمد فؤاد» في ألوان الوقيعة؛ إذ كان يفل الحديد بالحديد، ويكيل لتلميذه المتمرد بالكيل الذي يكيل به ذلك التلميذ، ويزيد.
وقد سكت عنه حتى أوهمه الصلح والرضا، ثم أوفده برسالة إلى الآستانة من تلك الرسائل التي كانت تغدق الهيل والهيلمان على حامليها بين عابدين ويلدز وبين يلدز وعابدين، ثم بادر فأبلغ الخبر إلى مدير «الشحنة» بالآستانة، فتلقى هذا صاحبنا أحمد فؤاد على «أسكلة الميناء» وانتزع منه أوراقه انتزاعا، فإذا هي في سبيله إلى السجن بدلا من دار الضيافة!
وأما المويلحي محمد، فقد كان على مشابهته لأبيه في كثير من خصاله أقرب إلى عزلة التصوف وترفع الوجاهة والإمارة، فلم يكن يعنيه من أحاديث أحمد فؤاد وأمثاله إلا أن يعقب عليها بنكتة لاذعة أو سخرية واسعة، ونسميها بالسخرية الواسعة لأنها كانت تتسع حتى تشمل السخرية بالشهرة الأدبية نفسها، فماذا لو لم يكن المويلحي الصغير كاتب «عيسى بن هشام» أو كاتبا على الإطلاق؟ ذلك خطب هين كما كان المويلحي الصغير يقول، ولم يكن في الواقع يبالغ في تكلف السخرية بالشهرة الأدبية؛ لأنه كان يرتضي لنفسه منزلة أحب إليه وأرفع عنده من منزلة الأديب الصحفي المشهور، وهي منزلة الوجيه الحكيم العزوف عن الدنيا والناس.
ولقد شاعت وقيعة أحمد فؤاد في حينها، فلم نكد نسمع أحدا يتكلم عن «حديث عيسى» إلا وهو يتقبلها أو يتساءل متشككا: أحقا كتبه المويلحي الصغير ولم يكتبه له أبوه؟
وكنا نحن نعلم من أخبار «محمد المويلحي» أنه أوفر اطلاعا من أبيه، وندرك الفارق البعيد بين ملكته الأدبية وملكة أبيه المرتجلة، ونعرف خلال سطوره مدى اطلاعه على كتب اليونان وكتب الأوروبيين المتأخرين، مما توفر عليه ولم يتوفر عليه أبوه من قبله، ولا بعد اشتراكه معه في حياته الأدبية، فكنا نعجب لشيوع تلك الوقيعة ولا نستطيع أن نفسره بغير هوى النفوس لاستماع الوشايات والاغترار في تفرقتهم بين ملكة الأب وملكة الابن بالتفرقة بين اسم المويلحي الكبير، والمويلحي الصغير.
ولكننا لقينا صاحب «عيسى بن هشام» بعد العلم به من طريق المطالعة وطريق السماع، فعرفنا سببا أدعى من ذلك السبب لرواج الوقيعة التي أذاعها صاحب «الصاعقة»، فقد كان «محمد المويلحي» أصدق مثل رأيناه لقول القائل: «سماعك بالمعيدي خير من أن تراه»، حتى كنا نروي المثل بعد ذلك: «سماعك بالمويلحي خير من أن تراه»، وقد نزيد عليه: المويلحي الصغير توكيد للنسخة الجديدة من ذلك المثل القديم!
كان صديقنا المازني يقول عن مشهور من مشاهير الشرق الحديث بغير حق: «إنك لا تحتاج إلى أكثر من خمس دقائق في محادثته لتنزل به إلى مكانه من الاحتقار.»
والمويلحي الصغير تراه خمس دقائق، فلا تحتقره ولا تشعر من سمته ورصانته أنه قابل للاحتقار، ولكنك تقدر له ما شئت من الصناعات الموقرة غير صناعة القلم أو صناعة الكتابة الفنية، فإذا تكلم زادك إيمانا بأنه من أبعد خلق الله عن الكتابة، ولا سيما كتابة اللباقة الفكاهية؛ لأنه يتعثر في كلامه وتعترضه فأفأة قد تطول، حتى تضطره إلى اختتام الكلام والإشاحة بوجهه علامة الضجر من الحديث أو الرغبة في السكوت، وإنما هو استحياء من تلك العثرات التي تعترضه أحيانا خلال الحديث.
رأيت أول مرة - كما رأيته آخر مرة - بكساء «البونجور» الذي لا يغيره في الشتاء ولا في الصيف، وإن غيره من لون إلى لون ومن نسيج إلى نسيج.
ورأيته بعد المقابلة الأولى أسابيع متوالية لم أكن أسمع منه خلالها غير الكلمات التي يفوه بها رئيس العمل وهو يوقع الأوراق الرسمية أو يعيدها للمراجعة والاستيفاء، ولكنني كنت في كل مقابلة من تلك المقابلات القصار أخرج من مكتبه وقد ازددت علما بسرعة خاطره وسداد ملاحظته وقدرته على إيجاز القول والكتابة بما يفيد على البديهة، بغير كلفة ولا إطالة روية. •••
अज्ञात पृष्ठ