إن الحراب التي صرعت الأمير محمدا أرسلان حاولت صرع الحرية والدستور، بل هي حراب أشربت سم الخيانة من أعلى مورد في الحكومة، فاذكروا هذا أيها الناس ولا تنسوه أيها النواب.
الحرية وحدها لا توحدنا
إني ممن يقولون بالطريقة البطيئة الثابتة في إصلاح الأمم والناس، إني ممن يرتأون أن لا خلاص للشعوب من الجهل والجمود والخمول إلا بالتهذيب والتربية، وما الثورة عندي سوى أمثولة صغيرة في تهذيب النفس وتثقيف الأخلاق؛ لأننا إذا تعلمنا أن نثور على المستبدين والظالمين من أسيادنا نتعلم أن نثور حتى على أنفسنا متى كنا من هؤلاء الظالمين والمستبدين، وهذا لعمري أهم من ذاك، ولكننا لا نحسن نحن السوريين لا هذا ولا ذاك. نحن قوم تعددت في بلادنا المدارس الأجنبية وكثر فينا التقليد والادعاء، كنا بالأمس في مقدمة الشعوب بالرضوخ للضيم والاستسلام للهوان، وصرنا اليوم في مقدمة طائفة من الناس لا يحركون في سبيل الأمة سوى القصبة واللسان.
ومتى كثر في الأمة المرشدون والناصحون المتربعون بدست السيادة بشر تلك الأمة بالهلاك، بدل أن تنصحني ساعدني، بدل أن ترشدني سر أمامي؛ إذ ما الفرق يا ترى بين منافق يناهض حاكما مستبدا ولص يندد باللصوص والقتلة؟ ما الفرق يا ترى بين متعصب يقول ما أجملك وما أسماك أيتها الحرية وبين شيطان يتغنى بمدح الملائكة؟ إن الاثنين عندي سواء.
على أنني أجد بونا شاسعا بين عالم لا يعلم أن العلم إنما وجد لنفع الناس لا لإثارة الفتن في الناس، ورجل عاش جاهلا ومات جاهلا وكان من آل الفضل في الناس. وإني - والله - لأفضل هذا الجاهل الصادق على ذاك العالم المنافق، إني لأوثر النفس الصافية الساذجة على نفس متفقهة لا تعرف من سبل الحياة إلا تلك الموحلة المظلمة، ولا من أماني الحياة إلا تلك التي يحبل بها دود الأرض وتتغذى من سم الأفاعي.
أجل يا أخي إن جمالا صالحا أو إسكافا حرا صادقا لخير من الأمراء والرؤساء والعلماء الذين لا يعرفون من الحق والعدل، ومن الخير والإحسان، ومن الإخلاص والفضل إلا أسماءها .
إن حاجتنا إلى التهذيب اليوم لأشد منها إلى السكك الحديدية والتلفونات، إن حاجتنا إلى العلم الصحيح الذي يهذب الأنفس ويرقي العقول ويثقف الأخلاق لأشد منها إلى العلوم اللغوية والفقهية واللاهوتية والخنفشارية. والتهذيب الصحيح ينبغي أن يعم عناصر الأمة بأسرها على السواء ليأتي بفائدة تذكر للأمة، وعندي أن أشد الويل والبلاء إنما هو في بيت يعيش تحت سقفه الجاهل والعالم معا.
إن وطننا بهذا البيت أيها الإخوان، وعناصر الأمة فيه كأفراد تنافرت أذواقهم وأخلاقهم وتعددت صبغاتهم القومية والدينية وتباينت فيهم درجات المدارك والعلوم، فإذا ارتقى عنصر من عناصر الأمة دون سواه يلتجئ غالبا إلى المهاجرة إذا ظلت العناصر المنحطة واقفة في طريق ترقيه كالسد في وجه المياه، أما الآية، ورب فئة صغيرة غلبت فئة كبيرة، فالتاريخ لا يشهد على صحتها إلا مرة في الألف؛ لأن الطبيعة لا تسمح أن تكون المعجزات فيها مبتذلة، والغالب المبتذل هو أن الأكثرية إن كانت في المجالس النيابية أو في الطبيعة تتغلب على الأقلية.
على حكومتنا الدستورية إذا أن تنتبه إلى هذا الأمر الخطير إن كانت ترجو أن ترتقي الأمة وتحيا، على حكومتنا أن تباشر تأسيس المدارس الوطنية العمومية الإجبارية المجانية المجردة عن كل صبغة دينية. وإن كانت لا تباشر قريبا فلا ترج يا أخا الحماسة كبير خير من هذا الانقلاب ومن هذا الدستور ومن هذا المجلس النيابي.
أظنك تعلم أيها القارئ العزيز أن لا غاية لي من الكتابة والخطابة والتأليف سوى نشر المبادئ الحرة والتعاليم السديدة في الأمة، وأن من تجرد عن المآرب السياسية وعن الأغراض الشخصية المادية يرسل كلمته في الناس دون أن يراعي خاطر أحد من الناس، منذ خمس سنوات عدت إلى وطني من العالم الجديد وحتى الآن ما عرفت من الرؤساء المدنيين والدينيين إلا من أحب أن يعرفني أو من جمعتني به التقادير، قضيت هذه المدة كلها بعيدا عن الرئاسة والسياسة فبان لي أن في طاقة الإنسان أن يعيش سعيدا دون أن يتزلف من السياسيين والأمراء أو عمال الحكومة والرؤساء، نعم عشت محروما هذا الشرف العظيم فكانت همومي الأدبية ومتاعبي السياسية أقل من هموم سواي من الأدباء.
अज्ञात पृष्ठ