आधुनिक दर्शन की कहानी
قصة الفلسفة الحديثة
शैलियों
وهذان العنصران - المادة والعقل - مختلفان أشد ما يكون الاختلاف، فيستحيل أن تتصف الأجسام بصفة الفكر، كما يستحيل أن يتصف العقل بصفة الامتداد، وهكذا شطر «ديكارت» الوجود إلى شطرين لا تجد الوحدة إليهما من سبيل، فهو اثنيني متطرف، وها نحن أولاء نتناول كل شطر منها بالبحث. (5)
الطبيعة المادية (الفيزيقا):
خصص «ديكارت» الجزء الأكبر من مجهوده «للفيزيقا» حتى إنه كثيرا ما أطلق عليها في رسائله اسم «فلسفتي»، والغرض من دراسة الفيزيقا عند «ديكارت» أن تعلل كل ما يصادفه الفكر من ظواهر الطبيعة، ولا يدخل في حسابها ما تأتينا به الحواس على أنه صفات للأشياء الخارجية؛ لأن تلك الصفات الحسية (التي تأتي عن طريق الحواس) لا تدل إلا على حالات الشخص الذي يحسها، وليس بينها وبين الأجسام التي تبعث فينا الإحساس من أوجه الشبه إلا بمقدار ما بين الألفاظ وما تثيره في أذهاننا من معان، كذلك يجب على الباحث في ظواهر الطبيعة ألا يأخذ بالصفات التي لا تتعلق بالجسم في ذاته، ولكنه يكتسبها من علاقته بشيء آخر، مثال ذلك العدد والزمان وغيرهما، مما ليس إلا مجرد علاقات بين الأشياء. وأول ما يلفت النظر عند التفكير في طبيعة الأجسام الحقيقية هو امتدادها طولا وعرضا وسمكا؛ لأن الامتداد - كما سبق القول - هو الخاصية الجوهرية التي تتصف بها الأجسام المادية، وكل ما عداه من صفات فأعراض لتلك الصفة الأساسية قد تلحق بالجسم، وقد تزول. وبما أن الامتداد معناه «المكان» إذن تكون لفظتا المكان والمادة مترادفتين؛ إذ المادة والمكان منطبق أحدهما على الآخر، وفي قولنا «مكان خال» تناقض؛ لأن المكان الذي يخلو من المادة ليس له وجود، بل إن المكان هو المادة كما قلنا. وقد انتقد كثيرون هذا الرأي القائل بأن الجسم ليس معناه إلا المكان الذي يشغله، فقالوا إنه لو صح هذا لاستحال حدوث التكاثف والتخلخل في الأجسام. فأجابهم «ديكارت» بأن الإسفنجة حين تمتلئ بالماء لا يزيد امتدادها عنها وهي جافة. فالتخلخل والتكاثف لا يعنيان إلا مثل هذه الظاهرة التي تحدث في الاسفنجة عند امتصاصها للماء أو جفافها.
ليس في الطبيعة المادية إلا أجسام تتصف كلها بصفة رئيسية مشتركة هي: الامتداد، وكل اختلاف بين جسم وآخر هو في حقيقة أمره اختلاف في الحركة التي بين أجزائهما، فالله حين خلق العالم المادي لم يزد على أن أوجد أجساما ممتدة، ثم أنشأ فيها حركة، ولما كان الله الذي أنشأ الحركة في الأجسام غير قابل للتغير، وجب أن تكون النتيجة الناشئة عنه غير قابلة للتغير أيضا. ولذا كان أول قوانين الطبيعة هو هذا: إن مجموع الحركة لا يزيد ولا ينقص. ومن هذا القانون الأساسي تفرعت قوانين ثانوية هي: (1)
إن كل جسم يحافظ على حالته التي هو فيها. (2)
إن الجسم المتحرك يحافظ على اتجاهه الذي يتحرك فيه، وهو يتحرك في خط مستقيم ما لم تؤثر فيه عوامل خارجية. (3)
إذا اصطدم جسم متحرك بجسم آخر تغير اتجاه حركته.
ويقدم لنا ديكارت في كتابه «العالم
Monde » صورة لخلق الكون: فقد بدأ الله عند خلقه للكون بتقسيم المادة إلى أجزاء لا حصر لعددها، ذات حجوم مختلفة وأشكال متباينة، ثم بث في هذه الأجزاء المادية مقدارا من الحركة - لم يزد عليه بعد ذلك شيئا ، ولم ينقص منه شيئا - ثم دفع الأجسام في اتجاهات مختلفة أشد الاختلاف، وتركها تأخذ مجراها الآلي. فمن المحتم أن تتصادم هذه الأجسام لما بين مسالكها من تعارض وخلاف، فتتجمع طائفة منها، وتكون كتلة كبيرة متماسكة، بينا تجد مجموعة أخرى من تلك الأجسام قد براها احتكاكها بالأجسام الأخرى حتى أصبحت ذرات بالغة الصغر.
وطائفة ثالثة منها انقلبت هباء ناعما بلغ حدا من الدقة لا نهاية له، وهذا ما نسميه بالأثير، وأجزاء هذا الأثير متصل بعضها ببعض أوثق اتصال، بحيث أصبح من المستحيل تفرقها وانفكاكها. ومن هذا الأثير يتكون عنصر النار، ويطلق عليه «ديكارت» عادة اسم «العنصر الأول»، ومنه تكونت في رأيه الشمس والنجوم. أما النوع الأول من المادة الذي سبق ذكره، والذي يتكون من كتل ضخمة بتجمع الأجزاء بعضها إلى بعض، فيطلق عليه ديكارت اسم «العنصر الثالث» أو عنصر التراب. والأجسام التي تكونت من هذا العنصر تكون إما سائلة أو صلبة تبعا لسهولة تحرك ذراتها أو صعوبته، وبين عنصر النار وعنصر التراب يجيء عنصر آخر يطلق عليه ديكارت اسم «العنصر الثاني» وهو الذي يتكون من ذرات صغيرة، وهو عنصر الهواء الذي منه تتكون السماء.
अज्ञात पृष्ठ