ينبغي أن تلتهمه النار المقدسة حتى آخر ذرة من رماد. - إني مقتنع بما تقول، وها أنا مصغ إليك.
ابتسم حسن ابتسامة خفيفة أوحت بتردده حيال الكلمة الأخيرة الفاصلة، فصبر كمال، ثم تعجله - رغم أن قلبه استشف الحقيقة المفجعة - قائلا: قلت إنك تدري أنها تحب؟
فنبذ حسن التردد قائلا: نعم، يوجد بيننا ما يجعل لي الحق في ادعاء ما قلت.
عايدة تحب أيتها السماوات! أوتار قلبك تنقبض باعثة لحنا جنائزيا، هل يكن قلبها لهذا الشاب السعيد مثل ما يكنه لها قلبك، إن صح أن هذا من الممكنات فأحرى بالعالم أن يتصدع، ليس صاحبك بكاذب لأن النبيل الجميل لا يكذب، قصارى أملك أن يكون حبها من جنس خلاف حبك، وإذا لم يكن من الفاجعة بد فمن العزاء أن يكون حسن هو المحبوب، من العزاء أيضا أن الحزن والغيرة لا يطمسان الحقيقة أمام عينيك، هذا الغني الساحر العجيب! قال كالذي يضغط على زناد المسدس وهو يعلم أنه فارغ: يبدو أنك مطمئن إلى أنها تحب - هذه المرة - الشخص نفسه لا حب الشخص لها!
فندت عنه «هه» مرة أخرى ليعرب بها عن ثقته. ولمحه بنظرة سريعة ليرى مدى إيمانه بما يقول، ثم قال: لم يكن حديثنا قط - أنا وهي - من النوع الذي يحتمل معنيين.
أي نوع من الحديث هو؟ حياتي كلها أهبها ثمنا لكلمة منه، أعرف الحقيقة كلها، وأتجرع العذاب حتى الثمالة، ترى هل سمع الصوت المطرب وهو يقول له: «أحبك»؟ بالفرنسية قالها أم بالعربية؟ بمثل هذا العذاب تشتعل النيران، قال بهدوء: أهنئك، كلاكما فيما أرى جدير بصاحبه. - شكرا. - غير أني أتساءل عما دعاك إلى الإفضاء إلي بهذا السر الثمين؟
فرفع حاجبيه حسن، وهو يقول: لما وجدتكما تتحدثان على انفراد أشفقت أن تخدع ببعض القول كما خدع كثيرون، فصممت على مصارحتك بالحقيقة؛ لأني كرهت فكرة انخداعك أنت بالذات.
غمغم كمال قائلا: «شكرا» تأثرا بالعطف السامي، عطف الشاب الموهوب الذي تحبه عايدة، الذي كره له الانخداع فقتله بالحقيقة، ترى ألم تكن أوهام الغيرة بين البواعث التي أغرته بمصارحته بسره؟ ولكن أليس له عينان يرى بهما رأسه وأنفه؟ استطرد حسن قائلا: إنها ووالدتها كثيرا ما يزوران بيتنا، وهناك تسنح لنا فرص للحديث . - على انفراد؟
أفلتت العبارة منه بلا وعي، فارتبك نادما وتورد وجهه، ولكن الآخر قال ببساطة: أحيانا.
كم يود أن يراها في هذا الدور - دور المحبة - الذي لم يخطر له في خيال، كيف تتجلى في العين الساجية التي تلقي إليه بنظرتها من عل لمعة الوجد والحنان؟ منظر يضيء العقل بقبس من الحقيقة المقدسة، ويقتل القلب قتلا، بهذا تستباح لعنة الكفر الأبدية، روحك يتململ كطائر سجين يود أن ينطلق، العالم ملتقى خرابات يستعذب عنه الرحيل، لكنك حتى إذا صح عندك أن الشفاه تلاقت في قبلة وردية فلن تعدم في دوامة الجنون لذة الحرية المطلقة، وسأله مدفوعا برغبة انتحارية لم يستطع مقاومتها فضلا عن فهمها: كيف إذن توافق على اختلاطها بأصدقاء حسين؟
अज्ञात पृष्ठ