فلم يملك كمال أن يضحك قائلا: ولكني آمل أن أكتب يوما عن «الإنسان» فيشملكم ضمنا. - لا يهمني الإنسان بقدر ما يهمني أشخاصنا، انتظر حتى أشكوك إلى عايدة.
خفق قلبه لدى سماع الاسم خفقة تحية وحنان وشوق، فانقلب نشوان كأنما قد ثمل روحه بلحن معربد بالطرب. هل يرى حسين حقا أنه أتى من الأمر ما يستأهل عليه مؤاخذة عايدة؟ ما أجهل حسين! كيف غاب عنه أنه ما من شعور يستشعره، أو فكرة يتأملها ، أو شوق يستشرفه إلا وآفاقها تترقرق ببهاء عايدة وروحها! - انتظر أنت، وسوف تثبت لك الأيام أنني لن أتخلى عن عهدي ما حييت.
ثم متسائلا بعد قليل بلهجة جدية: لم لا تفكر في أن تكون كاتبا؟ كل الظروف الراهنة والآتية تهيئ لك التفرغ لهذا الفن.
فهز حسين كتفيه استهانة، وقال: أأكتب ليقرأ الناس؟ ولم لا يكتب الناس لأقرأ أنا؟ - أيهما أعظم شأنا؟ - لا تسألني أيهما أعظم شأنا، ولكن سلني أيهما أسعد حالا، إني أعد العمل لعنة البشرية؛ لا لأني كسول، كلا، ولكن لأن العمل مضيعة للوقت، وسجن للفرد، وحائل منيع دون الحياة، الحياة السعيدة هي الفراغ السعيد.
حدجه كمال بنظرة دلت على أنه لم يأخذ قوله مأخذ الجد، ثم قال: لا أدري ماذا كانت تكون حياة الإنسان لولا العمل؟ إن ساعة من الفراغ المطلق تنقضي أثقل من عام حافل بالعمل. - يا للتعاسة! إن صدق قولك نفسه هو ما يؤكد هذه التعاسة، هل حسبتني أطيق الفراغ المطلق؟ كلا، وا أسفاه لا أزال أشغل وقتي بالنافع والضار، ولكني آمل يوما أن أعاشر الفراغ المطلق معاشرة سعيدة.
هم بالتعليق على قوله، ولكن جاء صوت من ورائهما يتساءل: «فيم تتحدثان يا ترى؟» صوت أو بالحري نغمة حلوة ما إن تتردد في مسمعيه حتى تعزف أوتار قلبه مجاوبة إياها من الأعماق كأنها عناصر مؤتلفة في لحن واحد، وسرعان ما خلت نفسه من متواثب الفكر فغمرها فراغ مطلق، ترى أهو الفراغ المطلق الذي يحلم به حسين؟ هو ذاته لا شيء، ولكنه السعادة كلها.
والتفت إلى الوراء، فرأى عايدة قادمة على بعد خطوات تتقدمها بدور حتى وقفتا أمامهما، كانت ترتدي فستانا كمونيا، وسترة صوفية زرقاء ذات أزرار مذهبة، وقد تجلت بشرتها السمراء في عمق السماء الصافية وصفاء الماء المقطر. وهرعت بدور إليه فتلقفها بين ذراعيه، وضمها إلى صدره كأنما ليواري في عناقها ما اعتراه من هيمان، وعند ذاك جاء خادم مسرعا؛ فوقف أمام حسين وهو يقول بأدب «التليفون»؛ فقام حسين مستأذنا، ومضى نحو السلاملك والخادم يتبعه.
وهكذا وجد نفسه معها على انفراد - وجود بدور لم يكن ليغير من هذا المعنى - لأول مرة في حياته، تساءل في إشفاق: ترى أتبقى أم تذهب؟ ولكنها تقدمت خطوتين حتى صارت تحت مظلة الكشك جاعلة المنضدة بينها وبينه، فدعاها إلى الجلوس بإشارة من يده، ولكنها هزت رأسها بالرفض باسمة، فقام واقفا ورفع بدور بين يديه فأجلسها على المنضدة، ولبث يربت رأس الصغيرة في ارتباك وهو يبذل كل قوته كي يملك عواطفه، ويتغلب على انفعاله ... مضت فترة صمت لم يسمع خلالها إلا حفيف الغصون، وخشخشة أوراق جافة متناثرة، وزقزقة عصفور، فبدا المكان فيما لمحت عيناه من أرضه، وسمائه، وأشجاره، وسوره البعيد الفاصل بين الحديقة والصحراء، وقصة المعبودة المسبلة على جبينها، والنور البديع المنبثق من حور مقلتيها، بدا كل أولئك كأنه منظر بهيج من حلم سعيد، لم يدر - على وجه اليقين - إن كان حقيقة ماثلة أمام ناظريه أم خيالة ملوحة حيال ذاكرته، حتى سجع الصوت الرخيم وهو يقول مخاطبا بدور فيما يشبه التحذير: «لا تضايقيه يا بدور!» فكان جوابه أن ضم بدور إلى صدره قائلا: «إن تكن هذه هي المضايقة فما أحبها إلى نفسي!» ورنا إليها وفي عينيه أشواق، وراح يتملى منظرها آمنا هذه المرة من الرقباء، منعما فيها التأمل كأنما يستكنه أسرارها، ويطبع على صفحة مخيلته ملامحها ورموزها، فتاه في سحر المنظر حتى بدا ذاهلا أو غائبا، وما يدري إلا وهي تتساءل: ما لك تنظر إلي هكذا؟
فأفاق من غشيته، وتجلى في عينيه الارتباك، فابتسمت متسائلة: هل تريد أن تقول شيئا؟
هل يريد أن يقول شيئا؟ إنه لا يدري ماذا يريد، حقا إنه لا يدري ماذا يريد، وتساءل بدوره: هل قرأت في عيني هذا؟
अज्ञात पृष्ठ