650

تحاما حماه المارقون يصدهم ... شبا رهب تندك منه الجنادل

وقد ترهب الآساد وهي نواعس ... وتخشى المواضي والجفون جوائل

فمن رام جودا منه فالجود زاخر ... ومن رام بغيا فالمهند فاصل

وبعد هذا قوله وما وردت أخبار إلى أخرها، ولم يزل صاحب الترجمة مع حال جميل حتى دبت عقارب الأعداء في ذات البين ونفثت بسمها في قلب الأخوين، فحبسه أخوه إبراهيم في سنة أربع وتسعين ومائة وألف بكوكبان، وحبس معه أخاه عماد الدين يحيى بن محمد فعكفا على الدرس والقراءة، وقصاصة الكتب وحفظا القرآن العظيم غيبا، واشتغلا بعبادة الله تعالى، واعتنى صاحب الترجمة بكتاب إحياء علوم الدين للغزالي قراءة وقصاصة، فقرأه من أوله إلى أن قارب التمام، ونظم تأريخا لتمامه وهو قوله:

ألا حبذا أحسن الختام الذي أتى ... لإحياء علوم الدين عند تمامه

لقد تم في شعبان شهر محمد ... وخاتم رسل الله حسن ختامه

ومذ فاح في الأرجاء مسك ختامه ... فأرخته طيبي بمسك ختامه

[وفاته ومراثيه]

ثم مرض بعد ذلك بوعد قبل تمام الكتاب، وكان هذا آخر شئ قاله، وتوفي -رحمه الله- بعد أن صلى من الظهر ركعتين، وافتر عن التمام وقبض إلى الرفيق الأعلى عقيب ذلك في يوم الجمعة سنة تسع وتسعين ومائة وألف، ورثاه ابن أخيه المولى القاسم بن عبد الرب بقوله:

ما الرزء مقتنع من الأحداق ... بالدمع لكن بالدم المهراق

ويقل عندي أن يقابل رزءه ... سير النفوس له من الآماق

لا غرو إن باتت تردد نوحها ... ورق القلام عليه في الأوراق

فلقد فقدنا من علي ضيغما ... في الأسر مبتسما على الإطلاق

يلقي إذا حمي الوطيس بنفسه ... فيه ويلقي روعة الإشفاق

مثل السمندل حين يلقي نفسه ... في النار لا يخش من الإحراق

لولا اقتحام عظائم الأهوال ما ... ضربت به الأمثال في الآفاق

لا بد تبديه الصوارم والقنا ... إن شمرت حرب العدا عن ساق

ملكت محبته القلوب لأنه ... يبتاعها بمكارم الأخلاق

पृष्ठ 254