نفحات
نفحات
وأما صاحب الترجمة فإنه ولد في سنة ست ومائة وألف ونشأ نشأة حسنة، وله جمال ونجابة ونزوع إلى الفضائل فصحب المولى المحسن بن الحسين بن المهدي أيام إمارته ب(صنعاء)، وذلك في حدود العشرين بعد المائة والألف، ولم يفارق حضرته فبدت أهلة الكفاءة من غرته، وبزغ قمر الكمال من أسرته، ثم حظي في الدولة المتوكلية وكان من أعيانها يستخص للجلوس ويدخر لليوم العبوس، وما زال ملحوظا من المتوكل بعين التعظيم مقدما في ديوان النعيم، مفاضا عليه أنواع التكريم، حتى جاءت الدولة المنصورية فعلت مرتبته وزادت رفعته، وانتظم في سلك وزرائه، وفوض إليه الكثير من الأعمال، وتوسط في بعض البلاد كاليمن الأسفل وكان المنصور [75ب-ب]يرى له حق الإخلاص، ويركن عليه في المشورة والنصح، ويحتمل له احتمالا كثيرا لأنه كان حاد المزاج، سريع البادرة؛ وكان صاحب الترجمة محبا للفضل وأهله مبالغا في فعل الخير والمعروف كثير الصدقات قريب الجنان سهل الحجاب دينا خيرا صالحا [254-أ] كثير العبادة والإشتغال بالإوراد ومقبلا على الجناب الإلهي بقلبه وقالبه، محبا لأهل العلم مغرما بشراء الكتب حتى جمع خزانة واسعة، ورأيت البدر الأمير كتب إليه قصيدة يعزيه في ولد صغير لصاحب الترجمة مات قبل التكليف وكان عابدا ومطلعها:
جرى القضا بشمول الموت للبشر
لا تمنع الملك المرهوب أهبته ... فالحمد لله حمدا غير منحصر
ولا الغواني حسن الدل والحور
ومنها:
صبرا ضياء الهدى فالموت غاية من
فما لسهم المنايا حين توتره
فالصبر أحسن درع أنت لابسه ... على البسيطة من بدو ومن حضر
قوس المقادير غير الصبر من وزر
عند الحوادث في ورد وفي صدر
पृष्ठ 348