الباب الخامس والسبعون في المزاح والنهي عنه وما جاء في الترخيص فيه والبسط والتنعم
وفيه فصول
الفصل الأول في النهي عن المزاح
قال رسول الله ﷺ: «المزاح استدراج من الشيطان واختلاع من الهوى» . وعن علي: ما مزح أحد مزحة إلا مجّ الله من عقله مجة وعنه: إياك أن تذكر من الكلام ما يكون مضحكا، وإن حكيت ذلك عن غيرك.
وكتب عمر رضي الله تعالى عنه إلى عماله: إمنعوا الناس من المزاح، فإنه يذهب بالمروءة ويوغر الصدور، وقال بعض الحكماء: تجنب سوء المزاح ونكد الهزل، فإنهما بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد غم.
وقال آخر: لكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح. وعن محمد بن المنكدر قال: قالت لي أمي: لا تمازح الصبيان تهن عندهم، وخرج أعرابي بالليل، فإذا بجارية جميلة فراودها، فقالت: أما لك زاجر من عقلك إذا لم يكن لك واعظ من دينك، فقال: والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت له: يا هذا. وأين مكوكبها؟ فأخجله كلامها، فقال لها:
إنما كنت مازحا، فقالت:
فإياك إيّاك المزاح فإنّه يجري «١» ... عليك الطفل والرجل النذلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورث بعد العز صاحبه ذلّا
وقال الأحنف: كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزاح تذهب المروءة، ومن لزم شيئا عرف به. ومما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يتحادثون ويتناشدون الأشعار، فإذا جاء ذكر الله انقلبت حماليقهم كأنهم لم يعرفوا أحدا.
الفصل الثاني فيما جاء في الترخيص في المزاح والبسط والتنعم
لا بأس بالمزاح ما لم يكن سفها، والله تعالى وعد في اللمم بالتجاوز والعفو فقال: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ
«٢» .
وقيل: إن يحيى بن زكريا لقي عيسى ﵊ فقال: مالي أراك لاهيا كأنك آمن، فقال له عيسى: مالي أراك عابسا كأنك آيس، فقال: لا تبرح حتى ينزل علينا الوحي، فأوحى الله إليهما أن أحبكما إليّ أحسنكما ظنا بي. ويروى إن أحبكما إلي الطلق البسام.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لجارية:
خلقني خالق الخير وخلقك خالق الشر، فبكت الجارية.
فقال عمر: لا بأس عليك، فإن الله خالق الخير والشر.
قال الشاعر:
إنّ الصديق يريد بسطك مازحا ... فإذا رأى منك الملالة يقصر
وترى العدو إذا تيقّن أنّه ... يؤذيك بالمزح العنيف يكثّر
وكان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقا، فمن مزحه ﷺ أنه جاء رجل، فقال: يا رسول الله احملني على جمل، فقال ﵊: لا أحملك إلا على ولد الناقة، فقال: يا رسول الله، إنه لا يطيقني. فقال له الناس: ويحك. وهل الجمل إلا ولد الناقة؟
وقال رسول الله ﷺ لامرأة من الأنصار: إلحقي زوجك ففي عينيه بياض، فسعت إلى زوجها مرعوبة، فقال لها:
ما دهاك؟ قالت إن النبي ﷺ قال لي إن في عينيك بياضا، فقال: نعم والله وسوادا. وأتته أيضا عجوز أنصارية، فقالت: يا رسول الله، أدع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال لها: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولت المرأة تبكي، فتبسم ﷺ وقال لها: أما قرأت قوله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً ٣٥ فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا ٣٦ عُرُبًا أَتْرابًا ٣٧
«٣» .
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: سابقت رسول الله ﷺ فسبقته، فلما كثر لحمي سابقته، فسبقني،
1 / 469
الباب الثاني في العقل والذكاء والحمق وذمه وغير ذلك
الباب الخامس في الآداب والحكم وما أشبه ذلك
الباب الثامن في الأجوبة المسكتة والمستحسنة ورشقات اللسان وما جرى مجرى ذلك
الباب الحادي عشر في المشورة والنصيحة والتجارب والنظر في العواقب
الباب الثاني عشر في الوصايا الحسنة والمواعظ المستحسنة وما أشبه ذلك
الباب الرابع عشر في الملك والسلطان وطاعة ولاة أمور الإسلام وما يجب للسلطان على الرعية وما يجب لهم عليه
الباب الخامس عشر فيما يجب على من صحب السلطان والتحذير من صحبته
الباب السادس عشر في ذكر الوزراء وصفاتهم وأحوالهم وما أشبه ذلك
الباب السابع عشر في ذكر الحجاب والولاية وما فيها من الغرر والخطر
الباب التاسع عشر في العدل والإحسان والإنصاف وغير ذلك
الباب العشرون في الظلم وشؤمه وسوء عواقبه وذكر الظلمة وأحوالهم وغير ذلك
الباب الثاني والعشرون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف وقضاء حوائج المسلمين وإدخال السرور عليهم
الباب الثالث والعشرون في محاسن الأخلاق ومساويها
الباب الرابع والعشرون في حسن المعاشرة والمودة والأخوة والزيارة وما أشبه ذلك
الباب السابع والعشرون في العجب والكبر والخيلاء وما أشبه ذلك
الباب الثامن والعشرون في الفخر والمفاخرة والتفاضل والتفاوت
الباب التاسع والعشرون في الشرف والسؤدد وعلو الهمة
الباب الثلاثون في الخير والصلاح وذكر السادة الصحابة وذكر الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين
الباب الحادي والثلاثون في مناقب الصالحين وكرامات الأولياء ﵃
الباب الثاني والثلاثون في ذكر الأشرار والفجار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة
الباب الرابع والثلاثون في البخل والشح وذكر البخلاء وأخبارهم وما جاء عنهم
الباب السادس والثلاثون في العفو والحلم والصفح وكظم الغيظ والاعتذار وقبول المعذرة والعتاب وما أشبه ذلك
الباب الثامن والثلاثون في كتمان السر وتحصينه وذم إفشائه
الباب الثالث والاربعون في الهجاء ومقدماته
الباب الثاني والخمسون في ذكر الفقر ومدحه
الباب الثالث والستون في ذكر نبذة من عجائب المخلوقات وصفاتهم
الباب السابع والستون في ذكر المعادن والأحجار وخواصها
الباب السبعون في ذكر القينات والأغاني
الباب الرابع والسبعون في تحريم الخمر وذمها والنهي عنها
الباب الثامن والسبعون في القضاء والقدر وأحكامه والتوكل على الله ﷿
الباب التاسع والسبعون في التوبة والاستغفار
الباب الحادي والثمانون في ذكر الموت وما يتصل به من القبر وأحواله