58

ان الشمانين وبلغتها، قد احوجت سمعي إلى ترجمان) أي مفسر ومكرر فقوله بلغتها اعتراض في اثناء الكلام لقصد الدعاء والواو في مثله تسمى واو اعتراضية ليست بعاطفة ولا حالية. (والتنبيه في قوله واعلم فعلم المرء ينفعه) هذا اعتراض بين اعلم ومفعوله وهو (ان سوف يأتي كل ما قدرا) ان هي المخففة من المثقلة وضمير الشان محذوف يعنى ان المقدورات البتة تأتى وان وقع فيه تأخير ما. وفى هذا تسلية وتسهيل للامر فالاعتراض يباين التتميم لانه انما يكون بفضلة والفضلة لابد لها من اعراب ويباين التكميل لانه انما يقع لدفع ابهام خلاف المقصود ويباين الايغال لانه لا يكون الا في آخر الكلام لكنه يشمل بعض صور التذييل وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الاعراب وقعت بين جملتين متصلتين معنى لانه كما لم يشترط في التذييل ان يكون بين كلامين لم يشترط فيه ان لا يكون بين كلامين فتأمل حتى يظهر لك فساد ما قيل انه يباين التذييل بناء على انه لم يشترط فيه ان يكون بين كلامين متصلين معنى. (ومما جاء) أي ومن الاعتراض الذى وقع (بين كلامين) متصلين (وهو اكثر من جملة ايضا) أي كما ان الواقع بينهما هو اكثر من جملة (نحو قوله تعالى فأتوهن من حيث امركم الله ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) فهذا اعتراض اكثر من جملة لانه كلام يشتمل على جملتين وقع بين كلامين اولهما قوله فأتوهن من حيث امركم الله وثانيهما قوله (نساؤكم حرث لكم) والكلامان متصلان معنى. (فان قوله نساؤكم حرث لكم بيان لقوله فأتوهن من حيث امركم الله) وهو مكان الحرث فان الغرض الاصلى من الاتيان طلب النسل لا قضاء الشهوة والنكتة في هذا الاعتراض الترغيب فيما امروا به والتنفير عما نهوا عنه (وقال قوم قد تكون النكتة فيه) أي في الاعتراض (غير ما ذكر) مما سوى دفع الايهام حتى انه قد يكون لدفع ايهام خلاف المقصود (ثم) القائلون بان النكتة فيه قد تكون لدفع الايهام افترقوا فرقتين (جوز بعضهم وقوعه) أي الاعتراض (في آخر جملة لا تليها جملة متصلة بها) وذلك بان لا تلى الجملة جملة اخرى اصلا فيكون الاعتراض في آخر الكلام أو تليها جملة اخرى غير متصلة بها معنى. وهذا الاصطلاح مذكور في مواضع من الكشاف فالاعتراض عند هؤلاء ان يؤتى في اثناء الكلام أو في آخره أو بين كلامين متصلين أو غير متصلين بجملة أو اكثر لامحل لها من الاعراب لنكتة سواء كانت دفع الايهام أو غيره (فيشمل) أي الاعتراض بهذا التفسير (التذييل) مطلقا لانه يجب ان يكون بجملة لا محل لها من الاعراب وان لم يذكره المصنف (وبعض صور التكميل) وهو ما يكون بجملة لا محل لها من الاعراب فان التكميل قد يكون بجملة وقد يكون بغيرها والجملة التكميلية قد تكون ذات اعراب وقد لا تكون لكنها تباين التتميم لان الفضلة لابد لها من اعراب. وقيل لانه لا يشترط في التتميم ان يكون جملة كما اشترط في الاعتراض وهو غلط كما يقال ان الانسان يباين الحيوان لانه لم يشترط في الحيوان النطق فافهم (وبعضهم) أي وجوز بعض القائلين بان نكتة الاعتراض قد تكون لدفع الايهام (كونه) أي الاعتراض (غير جملة) فالاعتراض عندهم ان يؤتى في اثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو غيرها لنكتة ما (فيشمل) الاعتراض بهذا التفسير (بعض صور التتميم و) بعض صور (التكميل وهو) ما يكون واقعا في اثناء الكلام أو بين الكلامين المتصلين (واما بغير ذلك) عطف على قوله اما بالايضاح بعد الابهام واما بكذا وكذا (كقوله تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به، فانه لو اختصر) اي ترك الاطناب فان الاختصار قد يطلق على ما يعم الايجاز والمساواة كما مر (لم يذكر ويؤمنون به لان ايمانهم لا ينكره) أي لا يجهله (من يثبتهم) فلا حاجة إلى الاخبار به لكونه معلوما (وحسن ذكره) أي ذكر قوله ويؤمنون به (اظهارا لشرف الايمان وترغيبا فيه) وكون هذا الاطناب بغير ما ذكر من الوجوه السابقة ظاهر بالتأمل فيهم. (واعلم انه قد يوصف الكلام بالايجاز والاطناب باعتبار كثرة حروفه وقلتها بالنسبة إلى كلام آخر مساوله) أي لذلك الكلام (في اصل المعنى) فيقال للاكثر حروفا انه مطنب وللاقل انه موجز (كقوله يصد) أي يعرض (عن الدنيا إذا عن) أي ظهر (سؤدد) أي سيادة ولو برزت في زى عذراء ناهدى الزى الهيئة والعذراء البكر والنهود ارتفاع الثدى. (وقوله ولست) بالضم على انه فعل المتكلم بدليل ما قبله وهو قوله وانى لصبار على ما ينوبني، وحسبك ان الله اثنى على الصبر (بنظار إلى جانب الغنى، إذا كانت العلياء في جانب الفقر) يصفه بالميل إلى المعالى يعنى ان السيادة مع التعب احب إليه من الراحة مع الخمول. فهذا البيت اطناب بالنسبة إلى المصراع السابق (ويقرب منه) أي من هذا القبيل (قوله تعالى لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وقول الحماسي وننكر ان شئنا على الناس قولهم، ولا ينكرون القول حين نقول) يصف رياستهم ونفاذ حكمهم أي نحن نغير ما نريد من قول غيرنا واحد لا يجسر على الاعتراض علينا فالآية ايجاز بالنسبة إلى البيت. وانما قال يقرب لان ما في الآية يشمل كل فعل والبيت مختص بالقول فالكلامان لا يتساويان في اصل المعنى بل كلام الله سبحانه وتعالى اجل واعلى وكيف لا والله اعلم، تم الفن الاول بعون الله وتوفيقه واياه اسأل في اتمام الفنين الآخرين هداية طريقه.

पृष्ठ 182