4
إلى وراء، وكيف لنا بالفرار؛ والهارب إنما يتقلب في يد الطالب؟!
صدقني يا سيدي إذا أكدت لك أن العلم كله ليضيق بشأني، وأن مركوني والمرحوم إديسون، والعالم أينشتين، وأضرابهم من فحول العلماء والمستكشفين، لأعجز جميعا عن أن يهتدوا إلى «نظرية» تطيير هذا الكاتب، ألا فليبذلوا الجهد فيما هو أجدى: من إحالة الحصى ذهبا، والهواء حطبا، ومن إطالة العمر إن استطاعوا، ومدافعة الموت إن أطاقوا، والاصطلاء بالثلج، والابتراد بالنار، والمشي على أديم الطيف ، واستخراج القر من وقدة الصيف
5
ليعالجوا ما طاب لهم من هذا، وليعدلوا عن ذاك، فقد جفت عنه الأقلام، وطويت من دونه الصحف!
ولقد حدثتك عن القدر، فانظر بعد هذا كيف يصنع القدر:
لي صديق من شياطين الإنس لا تعجزه وسيلة، ولا تعيى عليه حيلة، لا أدري أي رصفائه من شياطين الجن زين له أن يطيرني أنا! والعياذ بالله تعالى، سلام قولا من رب رحيم، وإليك الحديث:
من بضع ليال غشيت سامر الأصدقاء، وما إن كدت أستوي في مجلسي حتى ابتدرني صديقي الأديب الظريف الأستاذ حسني نجيب بهذا الكلام: يا فلان! نسافر معا في الطيارة إلى الإسكندرية! فلم يعد الأمر عندي أن يكون من إحدى مزحاته، على أنه كرر هذا وأعاده، وأعاده وكرره، حتى لم يبق فيه فضل لنكتة، فقلت له: ويلك! أجاد أنت؟ فقال: إي والله لا أقول إلا جدا، وستكون نزهة جميلة تظل تذكرها على الأيام، وجعل يبدئ ويعيد في هذا ودمي يغلي في عروقي، والغيظ يذهب بي كل مذهب، حتى كدت أخرج من جلدي، فقلت له: ما الذي أصابك؟ ويحك! أسافر في طيارة؟! لعمري لو أمكنتني من خزائن ركفلر ومن سلطان موسوليني ما فعلت! فقال في جد وتصميم: بل تسافر!
ولما رأيته قد أطال في هذا وأفرط، قلت: لن أسافر ألبتة، فإن كان لك من الحول والسلطان ما تستكرهني به على هذا السفر، فاصنع ما أنت صانع! وأمسكت بعد ذلك عن مراجعته، فلم يسكت، بل جعل يدخل بنا في تفاصيل السفر، ويقترح ألوان الثياب التي آخذ والتي أدع! والفندق الذي نتدلى فيه عند مهبطنا الإسكندرية! و... و... و، حتى أضجرني وأبرمني وطير لبي كل مطير، فقمت عن المجلس وأنا لا أكاد أرى ما بين يدي، غيظا وحنقا، ولم يفته أن يشيعني بالتعجل في إعداد العدة واتخاذ الأهبة لأن الوقت قد أزف! فعدت إلى بيتي وقد جعلت على نفسي ألا أغشى سامر القوم إلا بعد أن يسافر حسني «على الطائر الميمون»!
لم يرعني في ضحى اليوم الثاني إلا أن يسألني حسني في «التليفون» عما إذا كنت قد فرغت من إعداد العدة للرحلة الجوية «يا فتاح يا عليم»! وأسأله أن يكف عني فلا يكف، وأستحلفه أن يدعني فلا يعطف ولا يرق، وفي المساء عاود المسألة في «التليفون» أيضا، وجعلت أجادله جدال المغيظ المهتاج، فلا يكرثه ذلك ولا يلويه.
अज्ञात पृष्ठ