370

मुहम्मद

محمد صلى الله عليه وسلم

क्षेत्रों
मिस्र
-بنو قريظة قوم من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس. وسيد الأوس حينئذ سعد بن معاذ.
ذكرنا أن بني قريظة نقضوا العهد وحاربوا رسول الله مع الأحزاب واشتد البلاء على المسلمين ثم كفوا عن القتال لما أوقعه نعيم من الفشل بينهم وبين قريش فكان تأديبهم أمرًا لامناص عنه لأن وجودهم بالمدينة فتنة تهدد المسلمين ولأنهم هم الذين حزبوا الأحزاب وانضموا إلى الأعداء في غزوة الخندق.
لما انصرف رسول الله ﷺ من الخندق لسبع بقين من ذي القعدة سنة خمس هو أصحابه ووضعوا السلاح وكان قد صلى الصبح ودخل بيت عائشة ﵂. قال ابن اسحاق فلما كانت الظهر أتى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ كما حدثني الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج فقال أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال نعم. فقال جبريل فما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم. إن الله ﷿ يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة فأني عامد إليهم فمزلزل بهم.
فأمر رسول الله ﷺ مؤذنًا في الناس من كان سامعا مطيعًا فلا يصلين العصر ألا في بني قريظة واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال بن هشام.
وقدم رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة وابتدرها الناس وكان عدد من خرج إلى القتال ثلاثة آلاف والخيل ستة وثلاثون فرسًا.
فلما دنا علي كرم الله وجهه من الحصن (١) ومعه نفر من المهاجرين والأنصار وغرز اللواء عند أصل الحصن سمع من بني قريظة مقالة قبيحة في حقه ﷺ (٢) فرجع حتى لقى رسول الله ﷺ بالطريق فقال يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث. قال لم؟ أظنك سمعت لي منهم أذى. قال نعم يا رسول الله. قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال يا اخوان القردة هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا يا أبا القاسم ماكنت جهولا.
ومر رسول الله ﷺ بنفر من أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال هل مر بكم أحد؟ قالوا يا رسول الله قد مر بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة. عليها قطيفة ديباج. فقال رسول الله ﷺ ذلك جبريل بعث إلى بني قريظة يزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم (٣) .
وحاصرهم رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين ليلة كما قال ابن اسحاق وقال الواقدي احدى وعشرين ليلة. حتى جهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب.
وقد كان حيى بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه. فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم:
يامعشر اليهود انه قد نزل بكم من الأمر ما ترون واني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتم: قالوا وماهن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد كان تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي كنتم تجدونه في كتابكم فتأمنوا على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا لا نفارق حكم التوارة أبدا ولانستبدل به غيره. قال فإذا أبيتم عليَّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف ولم تترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان نهلك نهلك ولم تترك وراءنا شيئا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟
قال فإذا أبيتم هذه علىّ فان الليلة ليلة السبت وأنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غِرَّة.
قالوا نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا الا من قد علمت فأصابه من المسخ مالم يخف عليك.
قال ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازمًا.
ثم أنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ: أن ابعث الينا أبا لُبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف وكان حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ إليهم فلما رأوه، قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرق لهم. وقالوا له: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال نعم. وأشار بيده إلى حلقه "أنه الذبح" قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله.
ثم أنطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده (٤) وقال لاأبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علىّ مما صنعت وعاهد الله أن لا يطأ بني قريظة أبدًا. وقال لا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره وأبطأ عليه وكان قد استبطأه قال: أما لو جاءني لاستغفرت له. فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.
ثم أن توبة أبي لبابة أنزلت على رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة فبشرت أبا لبابة بذلك ثم أطلقه رسول الله ﷺ.
قال ابن اسحاق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ. فتواثبت الأوس فقالوا يا رسول الله انهم موالينا دون الخزرج. وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت وقد كان رسول الله ﷺ قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع. وكانوا حلفاء الخزرج فنزلوا على حكمه. فسأله اياهم عبد الله بن أبي ابن سلول فوهبهم له. فلما كلمه الأوس قال رسول الله ﷺ: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قولوا: بلى. قال فذاك إلى سعد بن معاذ وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خيمة امرأة من المسلمين يقال لها رُفيدة في مسجده كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وقد قال رسول الله ﷺ لقومه حين أصابه السهم بالخندق: اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب (٥) .

(١) حصن بن قريظة يبعد عن المدينة بنحو ميلين أو ثلاثة إلى الجنوب الشرقي.
(٢) سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق.
(٣) سيرة بن هشام عن ابن اسحاق وكذا في تارخ الطبري عن ابن اسحاق.
(٤) وتعرف بأسطوانة أبي لبابة واسطوانة التوبة.
(٥) راجع غزوة الخندق في هذا الكتاب.

1 / 370