ولما توليت الحكم سنة 1930 كانت هذه المسألة من أهم ما شغلني، وقد عاصرت الخديو عباس، وعملت معه في شبابي إلى أن أصبحت وزيرا للزراعة في عهده، ودامت علاقتي به حتى بعد خلعه أثناء زياراتي لأوروبا، وكان كثير المودة والعطف علي، كما عاصرت الملك فؤاد وتعاونت معه في شبابي وكهولتي، وتمتعت بصداقته وثقته، وكنت أعرف تقدير الخديو عباس لعمه الملك فؤاد وحبه له وإعجابه به، كما كنت أشعر باهتمام جلالته بحل هذه المسألة، ورغبته في وضع حد نهائي لها يمحو ما صنعته الظروف من غشاوة بينه وبين ابن أخيه.
سر على بركة الله!
وبينما كنت أفكر في هذا الموضوع اتفق أن وصل إلى مصر من سويسرا عبد الله البشري بك، سكرتير الخديو عباس موفدا من سموه لمقابلتي، وكان ذلك في يناير سنة 1931، فاجتمعت به في منزلي، وأفضى إلي بأن سمو الخديو قد آنس ضجرا من هذه الحال، وأنه يود أن يزيل ما بينه وبين عمه من خلاف على العرش، وأنه يعرب عن صادق إخلاصه، ويود له التوفيق في خدمة مصر، كما يود أن يتم ذلك على يد صديق له مثلك.
وارتحت أنا لهذا العرض، بل تفاءلت وحمدت الله عليه، ورجوته أن يوفقني فيه لخدمة مليكي وعرش بلادي.
وبعد الاجتماع استأذنت جلالة الملك، وقابلته، ووضعت بين يدي جلالته ما حمله رسول الخديو، فابتهج به، وقال لي: «سر على بركة الله ...»
مجلس الوزراء لا يعلم!
وتعددت المقابلات بيني وبين البشري بك، ولم يكن أحد يعلم بها في مصر - بعد جلالة الملك فؤاد - غيرنا نحن الاثنين، وروعي الكتمان الشديد، حتى إن مجلس الوزراء لم يكن يعلم بهذه المفاوضات، وكنت أجتمع به في منزلي.
وفي 10 فبراير سنة 1931 سافر البشري بك لمقابلة الخديو، وكان سموه في تونس، ثم تركها إلى الجزائر، فلحق به، ومكث معه بضعة أيام عرض عليه فيها تفاصيل ما جرى بيني وبينه، ثم عاد إلى مصر في أول مارس مزودا بتعليمات سموه، واستأنف البحث معي وأبلغني أن الخديو عباس قبل مبدئيا التنازل، فأخذت أضع معه نصوص الاتفاق، وكنت قد طلبت إلى عبد الحميد بدوي باشا أن يضع الصيغ النهائية، ففعل إلى أن انتهينا منها، ثم اتفقت معه على أن توفد الحكومة المصرية مندوبين لها لمقابلة سموه وإنجاز الاتفاق، وذلك في موعد يخبرني به تلغرافيا بعد مقابلته للخديو بسويسرا.
وفي 26 مارس سافر البشري بك، ثم وصلني منه تلغراف يقول فيه: إن سمو الخديو سيكون بلوزان في 15 أبريل، فانتدبت سعادة أمين أنيس باشا المستشار الملكي في ذلك الحين، والأستاذ بتسي بك المحامي، كوفد من قبل الحكومة المصرية، وصحبهما يوسف جلاد بك (باشا) رئيس الإدارة الإفرنجية بسراي عابدين ... وجرت المقابلات مع الخديو السابق في فندق سافوي تارة، وفي فندق لوزان بالاس تارة أخرى، وكان سموه يقصد إلى لوزان يوميا بسيارته للإشراف على الاتفاق، إذ كان مقيما في ديفون، حتى تم وضع الصيغ النهائية، وأمضى سموه الوثيقة في 6 مايو سنة 1931.
وأبلغني الوفد نبأ التوقيع تلغرافيا، فأبلغته لجلالة الملك، وكان اليوم الثاني من عيد الأضحى المبارك، فاجتمع مجلس الوزراء برياسة الملك فؤاد في قصر القبة العامر، وأفضيت إلى زملائي بهذا النبأ، وأعلناه رسميا في البلاد.
अज्ञात पृष्ठ