وكان زوجها قد صرح في بدء ثورتنا بكلمات تأثر بها الشعب وظل يتناقلها. فقد قال: «إن ثورة المصريين مثل شرارة في القش تطفئها بصقة.» فلما عرف المصريون ذلك، ثاروا ضده وتربصوا به، فلم يجرؤ على ركوب القطار من العاصمة كما أشيع يوم مغادرته مصر، بل استقل عربة أوصلته إلى إحدى المحطات، ومنها ركب القطار متخفيا حتى لا يعرف فيقتل.
أول مظاهرة للسيدات
قلت إن أول احتجاج لنا كان في ذلك اليوم المشهود الذي خرجت فيه كل سيدات مصر للاحتجاج على أعمال الشدة والإرهاب التي كانت تصدر عن السلطة العسكرية الإنجليزية، وكانت هذه السلطة قد أعلنت قبل ذلك أن جميع المظاهرات تقمع بالقوة ولا يصرح بها إلا بإذن، وقد أرسلنا إلى مقر رئاسة السلطة وفدا من بناتنا، نعلنها اعتزامنا بالقيام بمظاهرة سلمية ... فرفضت السلطة التصريح لنا بالمظاهرة، وكان أن تصرفت بعض الفتيات اللائي كلفناهن بهذه المأمورة من تلقاء أنفسهن؛ حيث اتصلن بكثير من السيدات اللائي اتفقن معنا على السير في المظاهرة، وأخبرنهن بأن المظاهرة قد أجلت، ولكننا بعد ذلك قرأنا في جريدة المقطم أن السلطة قد سمحت للسيدات بإقامة هذه المظاهرة، فأمضينا الليلة في محاولات الاتصال بالسيدات تلفونيا لنخبرهن بالتصريح، ولكن مع الأسف لم نستطع الاتصال بمعظمهن بسبب الرقابة التي كانت مفروضة على التليفونات ولولا هذا الاضطراب الذي أثاره تصرف هؤلاء الفتيات لبقي العزم على ما كان عليه ولاشتركت كل نساء القاهرة في تلك المظاهرة.
وفي صباح يوم 20 مارس 1919، أرسلت اللوحات التي كنت قد أعددتها للمظاهرة إلى منزل أحمد بك أبو إصبع، مكتوبا عليها باللغتين العربية والفرنسية بالبوية البيضاء على قماش أسود علامة الحداد: «ليحيا ناصرو العدل والحرية ... ليسقط الظالمون المستبدون وليسقط الاحتلال».
وقد نظمنا خط سير المظاهرة ... وأعطيناه للفتيات اللائي سلمناهن العلم واللافتات في المقدمة ... ولشد ما كانت دهشتي عندما لم أر اللافتة المكتوب عليها «ليحيا محبو العدل والحرية». وسألت صديقتي «وجيدة هانم خلوصي» التي كنت قد أوفدتها بهذه اللافتات إلى منزل أحمد بك أبو إصبع عن السبب، فأخبرتني بأن إحدى السيدات قد زعمت وجود خطأ لغوي فيها ... فلم تسمح بظهورها، وأعلنت بأعلى صوتها بين السيدات قائلة: «إن من لا يجيد معرفة الكتابة بلغة، فالأجدر به ألا يكتبها.» وكانت هي في الحقيقة الجاهلة، وقد أقنعتها بخطئها بعد ذلك، فلم تغفر لي هذا الموقف أبدا.
ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد، فقد حدث موقف آخر.
كان الاتفاق يقضي بأن نقصد سفارة أمريكا أولا، ثم سفارة فرنسا ... ولكنني رأيت فتياتنا قد غيرن خط السير وقصدن بيت الأمة أولا. فلما أرسلت صديقتي «وجيدة هانم» لتنبههن إلى ذلك، قلن لها إن غالبية السيدات قررن ذلك، فأذعنت لهذا القرار على مضض، وابتدأنا ببيت الأمة بدلا من أن ننتهي به حسب الاتفاق.
ولم نكد نصل إلى هناك، حتى حاصرنا جنود السلطة الإنجليزية، وأحاطوا بنا مسلحين وقد سدوا الشوارع بمدافع الماكينة، فوقفت صفوفنا تحيط بها صفوف الطلبة الذين كانوا يتبعوننا طوال الطريق لحمايتنا.
وقد أدركت أن هناك تدبيرا مسبقا بين أدلتنا وبين السلطة التي كانت تنتظرنا مطمئنة بشارع سعد زغلول. وبذلك فشلت خطتنا، ولم يرنا إلا قليل من الناس، وعلمنا بعد ذلك أنه كان أمام دور السفارات عدد كبير من الأجانب ينتظروننا بباقات الورد ليلقوها تحت أقدامنا.
وبينما نحن في تلك الوقفة التي أجبرونا عليها، أردت أن أشق طريقي بالقوة لأقود مسيرة السيدات، فتقدمت إلى الأمام، وإذا بجندي إنجليزي يجلس القرفصاء بسرعة ويصوب فوهة بندقيته إلى صدري، وعندما حاولت أن أتقدم نحوه، أسرعت إحدى السيدات تجذبني من الخلف لتمنعني من التقدم، فقلت لها بصوت عال: «دعيني أتقدم، ليكون لمصر اليوم مس كافيل.» فما كاد الجندي يسمع هذا الاسم، حتى خجل وقام على الفور.
अज्ञात पृष्ठ