मुधक्करात जुग्राफिया
المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية
शैलियों
وقد أدرجت جمعية الكتابات والفنون في باريس قسما كبيرا من هذه الرحلة في مجموع مؤرخي الحروب الصليبية الشرقيين،
5
لما أودع الكتاب من الفوائد التاريخية عن الأمور الجارية في زمانه، وقال الأستاذ سكيابارلي في مقدمة ترجمة ابن جبير إنه «إذا قوبل بينه وبين غيره من رحالي العرب كالمقدسي وابن بطوطة وغيرهما لا يوجد ابن جبير دون أحد منهم في شيء من حيث الضبط والدقة وحسن الأسلوب وخطر الأمور المدونة.» هذا ما قاله سكيابارلي، وحكمه صواب، وإن كنا نرى أن المقدسي أعلى طبقة من ابن جبير، لكننا نقدر أيضا ابن جبير قدره، كما أقر بفضله ابن بطوطة وغيره ممن استشهدوا به ونقلوا عنه.
ومما أفادنا ابن جبير تعريفه لأحوال أهل الشام ووصفه لعاداتهم كما لحظها في تجوله بينهم، فدون ملحوظاته فيها، وبما أنه كان غريبا تجده يتسع في بيان أمور لا ينصرف إليه نظر أهلها، ولولاه لجهلناها تماما، فمن ذلك عدة أشياء ذكرها في دمشق قد أخنى عليها الزمان منذ زمن طويل كالبنكام الذي رآه هناك (ص269-270)، وكقبة النسر التي وصف خصائصها (ص293) واستغرب حجارتها فقال: «وفي الجدار حجارة كل واحد منها يزن قناطير مقنطرة، ولا تنقلها الفيلة فضلا عن غيرها، فالعجب كل العجب من تطليعها إلى ذلك الموضع المفرط السمو، وكيف تمكنت القدرة البشرية، فسبحان من ألهم عباده إلى هذه الصنائع العجيبة، ومعينهم على التأتي لما ليس موجودا في طبائعهم البشرية، ومظهر آياته على يد من يشاء.»
فليت شعري ما عساه كان قال ابن جبير لو رأى حجارة بعلبك أو عاين هيكلها العجيب، إلا أن مسيره لم يؤد به إلى تلك المدينة.
6
سورية وابن جبير
رأيت في الفصل السابق الطريقة التي توخاها ابن جبير في تسطير رحلته وما ضمنها من الفوائد، فبقي علينا أن نرافقه في سياحته في بلاد الشام، فنلتقط بصحبته بعض المعلومات عن سورية في مختتم القرن الثاني عشر، ولا غرو، فإن دليلنا فكه النفس متوقد الذهن، فيبهج رفقته ويفيدهم معا.
بعد أن اجتاز ابن جبير بلاد الجزيرة قطع الفرات، فكان أول ما لقيه في وجهه من بلاد الشام منبج، فأحس السائح بجواد قلمه يركض، فاسترسل في وصفها بالسجع كمألوف عادته (ص248)، ولم يذكر من خواصها إلا النزر القليل مما لا يشفى به العليل ولا يروي الغليل، ثم سار من منبج إلى حلب فوصفها وصفا طويلا، روينا شيئا من ألفاظه المبهرجة، وألحق هذا الوصف باشتقاق اسم حلب فقال (ص251): «كانت قديما في الزمان الأول ربوة يأوي إليها إبراهيم الخليل بغنيمات له فيحلبها هنالك ويتصدق بلبنها، فلذلك سميت حلب، والله أعلم.»
وهذا الاشتقاق في الغرابة بمكان، ذكره ياقوت في معجم البلدان (2 : 304) مرتابا في صحته، وقد زاد عليه ابن بطوطة ما هو أغرب، فجعل بدلا من الغنم بقرة شهباء قال: فكان إذا حلبها إبراهيم قيل: «حلب إبراهيم الشهباء»، وليس في كل هذه الاشتقاقات كما ترى ذرة من الصحة، وإنما هي مشابهات لفظية لا طائل تحتها، ومثلها إشارة ابن جبير إلى اشتقاق اسم حماة من حمى يحمي (ص255).
अज्ञात पृष्ठ