الغرض من هذه المقارنة ليس تشجيع نمط المصايف المدنية وتفضيلها، وإنما التعرف على سلبيات القرى الاصطيافية التي اندفعنا إليها بقوة، وما زلنا كذلك، دون عائد يبرر تجميد رءوس أموال طائلة كما سيتضح من الفقرات الآتية. (9-7) كيف نحول الساحل إلى قيمة اقتصادية؟
بدأت خطط إنشاء القرى الاصطيافية متأرجحة بين استخدام مشترك لأصحاب الشاليهات والفيلات خلال موسم الصيف، وسياحة خارجية منظمة تستخدم هذه القرى غالبا خلال الخريف والشتاء. ولكن مثل هذا المخطط فشل لأسباب عدة على رأسها: (1)
إن مخططات القرى اهتمت فقط بأشكال المساكن دون الاهتمام بخدمات خاصة منها المطاعم والكازينو متنوعة المآكل والبرامج الليلية. فليس السائح الأجنبي مجرد إنسان يقضي كل اليوم في السباحة والتمتع بالمناخ الطيب، بل هو في حاجة إلى قضاء أمسيات ساهرة إذا أخذنا في الاعتبار أن معظم السياحة الدولية هي سياحة الشباب، بعد أن كانت قاصرة على الأغنياء كبار السن الذين يخلدون للراحة والنوم المبكر. (2)
كذلك لم تهتم المخططات الأولية بسياحة الصحراء حول القرى الساحلية. والصحراء الغربية غنية بتنويعات في التكوينات الرملية والصخرية، وليس بعيدا عنها منخفض هائل هو منخفض القطارة وواحات عدة جنوب المنخفض إلى جانب واحة سيوة الأسطورية. مثل هذه السياحات في بيئة الصحراء كانت ستلهب رغبات السياح الأجانب في القدوم إلى الساحل الشمالي للجمع بين البحر ورماله الذهبية، وبين المغامرة في ارتياد جزء من الصحراء كنوع من المغامرة غير مألوف لديهم وتظل في ذاكرتهم، ويروجون من تلقاهم للسياحة المصرية غير البعيدة عن أوروبا. (3)
غلبت الروح المصرية في التملك الشخصي على جميع المخططات للتشارك في استخدام الشاليهات والفيلات مع السياحة الأجنبية. وتحولت القرى العديدة إلى وظيفة الاصطياف فقط، تاركة هذه القرى مجموعات من مستوطنات أشباح تسعة أعشار السنة على أحسن الفروض.
وهكذا صرف المصريون أموالا طائلة في إنشاء مساكن غالية، وأموال أخرى سنوية للمحافظة على الأبنية من تأثير العوامل الجوية البحرية، وأموال أخرى للحفاظ على الحدائق الصغيرة التي أنشئت حول الشاليهات: من أجور للبستاني والمياه الباهظة القيمة وإحلال النبات وغير ذلك الكثير.
كم تقدر قيمة هذه المنشآت؟ لا نبالغ إذا قلنا: إنها تعد بأكثر من عشرة مليارات جنيه - في تقديرات أنها بلغت 14 مليارا، هي في الحقيقة رأسمال مهدر من أجل اصطياف شهر واحد على الأكثر! كم كان إنتاج هذه الأموال لو النوبة جانبا منها عمل في أي شكل من أشكال الإنتاج الزراعي أو الصناعي أو الخدمي السياحي المؤهلة له هذه المنطقة، لو كانت لدينا قيم أخرى غير قيمة حب التملك الفردي بالصورة المبالغ فيها التي نعرفها في مصر!
هل فات أوان تصحيح هذا الهدر في بلد يعاني من نقص السيولة بصفة إجمالية؟ تساؤل قد لا يجد إجابة سهلة ومباشرة، وربما كان بعض مقومات محاولة تصحيح الموقف ما يأتي:
الكف عن إنشاء قرى اصطيافية على النمط الحالي؛ أي أن تصدر تصاريح إنشاء قرى جديدة على مخططات تشمل مراكز خدمية متعددة. ولنا فيما يجري في «مارينا» أسوة. لماذا تتميز؟ لأنها مليئة بالخدمات وبخاصة رياضات البحر المختلفة بما فيها من مارينا اليخوت، ومليئة بالخدمات الترفيهية الليلية التي يستقدمون لها حفلات منظمة - برغم المغالاة في تكلفتها، لماذا لا تصبح هناك قرى متعددة على شاكلة «مارينا » في المنطقة من سيدي عبد الرحمن إلى رأس الحكمة - ليست بالضرورة على النمط نفسه، لكنها تفسح المجال أمام إقبال الرواد، وبخاصة الشباب الذي أصبح يرفض الذهاب مع أهله إلى القرى الحالية النائمة مبكرا والتي تتفق مع عمر الآباء والأمهات أكثر من عمر الشباب التواق إلى الحركة والتجمع والسهر والسمر على الأنغام.
أن تغامر شركات تنظيم السياحة بالخوض في مضمار سياحة أجنبية إلى الساحل الشمالي، فعندنا شركات سياحية برعت في تنظيم مواسم العمرة وبعض السياحة الأوروبية بالاشتراك مع هيئات سياحية أوروبية. فلماذا لا تفكر مثل هذه الشركات في أمرين: الأول: الاتفاق مع جمعيات وهيئات إقامة القرى الجديدة على أساس تخطيط القرى لاصطياف المصريين شهر أو نحوه، وتأجير الشاليهات بقية السنة لمجموعات منظمة من السياح الأجانب. والأمر الثاني: الاتفاق مع بعض إدارات القرى الحالية على تنظيم المشاركة السياحية في المنشآت الراهنة، مع بعض التعديل، مع إقامة خدمات ترفيهية لخدمة المصريين والأجانب معا معظم السنة. (9-8) أخيرا: البيئة والتنمية
अज्ञात पृष्ठ