والمسألة ليست فقط الموقع والمنافسة ولكنها تحتوي على عدد كبير من الاحتياجات على رأسها الموضوعات التقنية والتلاؤم البشري بالتدريب المستمر على النظام الكومبيوتري في التشغيل والحفظ والمراجعة، وكلها أشياء يمكن حلها بدرجات متفاوتة من النجاح. لكن المشكلة العويصة التي قد نواجهها هي النظم الإجرائية وفلسفة إدارة الميناء في مواجهة المركزية المتشددة التي نعرفها في مصر. فهل يمكن أن يصبح الميناء المحوري ومنطقته الحرة شديد الاستقلال في اتخاذ القرارات والتمويل والقروض والتجديد والتنمية وعقد الصفقات مع شركات ومكاتب من أي جنسية لإقامة مكاتب ومخازن وبعض الصناعات التجميعية وإعادة الشحن - هل يمكن ذلك دون تدخل مركزي؟ وعلى سبيل المثال فإن أسباب نجاح مينائي جبل علي ودبي في الإمارات العربية المتحدة كثيرة أدت إلى أوضاع متميزة منها: أن هناك 1450 شركة من 85 دولة تتعامل مع تلك المواني. 74٪ من التعاملات هي تراخيص تجارية و22٪ تراخيص صناعية في المنطقة الحرة و4٪ تراخيص خدمات أساسية، وتعامل مع 125 شركة من كبريات خطوط سفن الحاويات العالمية، فضلا عن مطار دبي المحدث على أحسن الأساليب والذي يخدم 80 شركة طيران تتجه إلى 130 وجهة، وخدمات غير محدودة للاتصالات الدولية مع 175 دولة اتصالا مباشرا بالتلفون والفاكس والبريد الإلكتروني، هذه المؤهلات مع مرونة الجهاز الحكومي جعلت هيئة مواني دبي «جافصا» تصف نفسها بأنها «بوابة العالم». علما بأنه ليس وراء دبي سوقا كالسوق المصرية ولا موقعا مماثلا لمصر. لكن المرونة الإدارية الشديدة هي وراء هذا النجاح الهائل في محيط غني في بلاد الخليج ومحيط فقير في الهند وباكستان.
ويمكننا الاستطراد كثيرا، لكن الخلاصة: أن وراء نجاح مواني دبي تاريخا إداريا سياسيا تجاريا مرنا طوال قرن من الزمان، بينما وراءنا تاريخ إداري بيروقراطي مركزي متشدد زمانا طويلا. فهل ننجح في تعديله لمواكبة العصر ومتطلبات مصر التنموية؟ في مارس 1996 كتبت في جريدة الأهرام موضوعا مختصرا عن ضرورة تعظيم إمكانات قناة السويس مفاده: أن تهيئ الدولة مخططات وبنية أساسية يستفيد منها القطاع الخاص وذلك بإنشاء سلسلة من العزب الصناعية متوسطة التكنولوجيا على الضفة الشرقية من القناة كصناعات كهربائية وإلكترونية وملابس جاهزة وتجميد أسماك وأطعمة وغير ذلك - على أن تبنى هذه الصناعات على حارات مائية تأخذ من القناة، وبطول كيلومتر أو نحوه في عدة أماكن شرقي القناة مثل شرق كل من الدفرسوار والإسماعيلية والبحيرات المرة والشط ... إلخ. وعلى أن تكون كل عزبة صناعية مهيأة أيضا لسكن العاملين والقائمين بالخدمات الضرورية، دون التورط في إنشاء مدن أو قرى كبيرة تصبح بعد قليل مشكلة عمرانية كما يحدث دائما عند إنشاء مدن جديدة في ممارساتنا الحالية. الغرض الأول من التركيز على الصناعة متوسطة التكنولوجيا متعدد المنافع. منها أولا: رخص أدوات الإنتاج وبساطتها لمثل هذه الصناعات في السوق الدولية وسهولة التعامل معها مع تدريب متوسط. ومنها ثانيا: أنها توفر عمل لأيدي عاملة كثيرة؛ لأن مثل هذه الصناعات لا تقوم على آلية عالية التكلفة قليلة العمالة. وأخيرا: أنها توفر سلعا رخيصة في متناول جملة الفقراء في مصر وبعض بلاد البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
الغرض الثاني من إنشائها شرق القناة: هو نوع إقامة كثافة العمران الاستراتيجي الذي يعرفه الاستراتيجيون والعسكريون لتأمين القناة من جهة الشرق.
والغرض الثالث والأخير: هو الاستفادة من قناة السويس كشريان مائي للنقل البحري الرخيص مباشرة من أرصفة العزب الصناعية شمالا إلى البحر المتوسط وجنوبا إلى البحر الأحمر. وليس صعبا تنظيم مرور سفن الشحن الصغيرة التي تنقل خامات ومنتجات العزب الصناعية ذهابا وإيابا في القناة جنبا إلى جنب قوافل السفن الكبيرة العابرة. وربما ساعدت عوائد هذه الصناعات في تمويل جزئي لعملية ازدواج مسار القناة بكامل طولها.
والخلاصة: أن تنمية مثل هذه الصناعات على طول القناة - إضافة إلى الصناعات المختلفة الراهنة والمستقبلية في السويس والإسماعيلية وبورسعيد - سوف يساعد على أن تصبح منطقة القناة برمتها مجالا نشطا للعمل وبالتالي لجذب السكان بدلا من الحشر في عشوائيات وطفيليات المدن المصرية.
12 / 4 / 2003 (9) مصايف الساحل الشمالي؛ نظرة نقدية (9-1) الساحل الشمالي والتاريخ العسكري لمصر
الساحل الشمالي هو الواجهة المصرية في عالم البحر المتوسط ومجموع علاقاته الحضارية منذ عصور قديمة. لكنه كان لبضعة آلاف من السنين ذو علاقة سلبية أيضا فيما يختص بالسلامة القومية؛ لأنه كان معبر أقوام وشعوب غزت مصر أو أرادت غزوها وهزمت في معارك ضارية بين المصريين وهؤلاء الطامعين في غنى مصر الخضراء.
كانت المنطقة الساحلية إذن ومنذ الدولة القديمة إلى أواخر الدولة الحديثة الفرعونية مسرحا لعمليات عسكرية شبه دائمة ضد القبائل السامية القادمة عبر فلسطين؛ نتيجة ضغوط وغزوات الشعوب الهندوأوروبية للشرق الأوسط في إيران والأناضول منذ الألف الثانية قبل الميلاد، وكذلك حاربت قبائل البربر من التحنو والمشوش القادمين من برقة وشمال أفريقيا وصدت شعوب البحر من الإغريق وغيرهم الذين قدموا في هجرات متتالية إلى سواحل مصر الغربية وسواحل الدلتا؛ نتيجة ضغوط هجرات الشعوب الهندوأوروبية في البلقان والأناضول، وقد أدت هذه الحركات الكبيرة للشعوب الضاغطة إلى تبني السلطات المصرية سلسلة من القلاع ومراكز الاستطلاع والمراقبة بطول سواحل سيناء والسواحل الغربية. وكانت أهم القلاع في الشرق بليزيوم - الفرما قديما وبالوظة حاليا، وربما كانت أبعد القلاع في الغرب هي في منطقة مطروح الحالية.
أما سواحل الدلتا فقد كانت البحيرات والمستنقعات والمصبات الكثيرة لفروع الدلتا خط دفاع طبيعي تحتمي خلفه الدلتا الغنية. لكن لأهمية الاتصالات التجارية البحرية لمصر في شرق المتوسط إلى فينيقيا وقبرص والأناضول وكريت فقد أنشأت مصر منذ الدولة القديمة أسطولا للمراقبة ومطاردة المتسللين على طول السواحل، وخاصة سواحل الدلتا وسيناء فضلا عن أسطولها التجاري والعسكري الذي يستخدم في الحملات البرية البحرية على سواحل الليفانت.
هذه السمة العسكرية للساحل الشمالي ظلت تواكب مصر خلال كل العصور. فمن الشرق جاء الأشوريون والفرس وعرب الإسلام والعثمانيون وأتراك الحرب العالمية الأولى والإسرائيليون، ومن الغرب برا وبحرا جاء الرومان والفاطميون ونابليون والإنجليز وقوات المحور خلال الحرب العالمية الثانية.
अज्ञात पृष्ठ