मिस्र खादीवी इस्माइल
تاريخ مصر في عهد الخديو إسماعيل باشا
शैलियों
فزاد ذلك جميعه في مساحة البلد المبنية، حتى أصبحت أربعة أضعاف ما كانت عليه في عهد سعيد؛ وزاد في عدد سكانها حتى أضحى، في أقل من خمسة عشر عاما، نيفا و240 ألفا، منهم 48 ألفا غربيون، بعد أن كانوا 7 آلاف فقط، عند ممات الباشا العظيم! ولكي يبرهن أن عصره عصر رقي فكري صحيح، وعهد تقدم حق في مسالك الحضارة، أقام في شهر أغسطس من سنة 1874 في ميدان المنشية الذي أنشأه (إبراهيم) أبوه، تمثالا نحاسيا لجده العظيم، تجلى فيه (محمد علي)، فارسا مهيبا، يشرف على الساحة الفسيحة، ويده الثابتة على خاصرته القوية، تدل على أن النصر بات طوع بنانه وأنه نشر مجده في الفضاء الحاف به!
وأما مصر القاهرة
13
فإنها، بعكس الإسكندرية، ما فتئت تزداد عمارا واتساعا، منذ أن أنشأها جوهر قائد جيوش المعز لدين الله الفاطمي، حتى انقراض دولة الأمراء المماليك، وقيام الأسرة المحمدية العلوية، ولكنها بالرغم من كل بناء قام فيها، ما فتئت محصورة بين بابي الفتوح والنصر شمالا، والخليج المصري غربا، والجبل وقرافة المماليك وسلاطينهم شرقا، وخرائب الفسطاط جنوبا، وكان كل حد من هذه الحدود يمتاز بتلال سوداء من الخرابات والأقذار تعلو عنده حتى يبلغ ارتفاع بعضها من خمسين إلى مائة قدم، كالتلال التي لا تزال نراها جنوب مسجد أحمد بن طولون إلى يومنا هذا وهي أطلال مدينة القطائع، عاصمة الطولونيين، الواقعة بين فسطاط عمرو وقاهرة المعز، وكان سكان كل حد، ما عدا الحد الغربي، لا يفتأون يزيدون تلك الآكام القذرة ارتفاعا، بما يرمونه عليها، يوميا، من أقذار منازلهم، وأما الحد الغربي، وهو الخليج، فكما أنه كان - أيام الفيضان - مستقى المنازل المقامة على شاطئه، والمتدلية منها الأدلاء فيه، كان - أيام التحاريق - مصب مجارير كل تلك المنازل. إلا أنه كان، في وسطه، عند بركة أوجدها هناك الفيضان، يتكيف تكيفا يقر العين، بما أنشئ فيه من بساتين منذ عهد الأمير أزبك، قائد جنود (قايتباي) التي قهرت عثمانيي (بايازيد الثاني)، في ربوع سوريا القصية، حتى عهد الاحتلال الفرنساوي، وأطلق على مجموعها اسم الأزبكية، إكراما لذلك الأمير.
فكان القادم إلى مصر، من أية جهة يصل إليها، حتى من جهة الغرب - لأن تلال الأقذار كانت تفصل الأزبكية عن بولاق - يرتد نظره عند وقوعه على تلك الدمن؛ ويود لو أن في الاستطاعة إزالتها وملاشاتها؛ ولكنه لا يلبث أن يسلم بأن ذلك محال، بعدما يتأمل جسامة الأكوام، ويقدر الهمة الواجبة للإقدام على ذلك العمل الشاق فوق كل تصور، والذي يعد بجانبه ما قام به هرقل، البطل اليوناني من تنظيف إسطبلات أوچياس الملك، لعب أطفال؛ حتى جادت الأيام لمصر (بإبراهيم) الهمام.
فبينما (محمد علي) أبوه يكلف برهان بك رئيس إدارة الأشغال العمومية، وأحد تلامذة البعثة المصرية الأولى إلى باريس، بوضع مشروع لتحويل الأزبكية ببركتها إلى بستان عام، يشتمل من الخضرة السندسية والظل والماء على ما تنشرح له الصدور، وبينما برهان بك يصدع بالأمر، ويضع مشروعه، ويقدمه إلى الأمير، فيعتمده ويأخذ من وقف الأسرة البكرية الأربعين فدانا المتكونة جهة الأزبكية منها، ويعطيهم - بدلا عنها - أطيانا ببلدة بهتيم قدرها عشرة أضعاف المأخوذ منهم؛ بينما يقدم برهان بك على نفاذ المشروع، ويحول الأزبكية إلى المتنزه المرغوب فيه، سنة 1837، أمر (إبراهيم باشا) المسيو بونفور مهندسه بإزالة الأكوام كلها الواقعة ما بين النيل وبولاق، ومصر القاهرة، والفسطاط (مصر العتيقة)؛ وإنشاء متنزهات خاصة مكانها، تمتد مدى البصر، ووضع تحت تصرفه ما شاء من الأموال والرجال، فأقدم المسيو بونفور بهمة على تنفيذ ما أمر به؛ ولم تمض ثمان سنوات إلا وتم ثلثا المهمة، وتجلت الرياض والغياض الفيحاء تزينها الأشجار الباسقة - لا سيما الجميز واللبخ - حيث كانت تعلو الأكوام الجارحة للنظر.
ولما عاد (إبراهيم) من حروبه بسوريا، سهل الأعمال الجارية وأتم بونفور ما كلف به، فزالت الأكوام كلها من باب الحديد إلى مصر القديمة، غربي القاهرة بأسرها.
14
حينذاك أقبل (إبراهيم) على إزالة ما كان منها بحريها أيضا؛ أي: ما بين بابي الفتوح والنصر، من جهة؛ والعباسية والظاهر والفجالة الحالية، حتى باب الحديد، من الجهة الأخرى، ولم يكن في استطاعة غير المنصور في (نزيب) تتميم ذلك العمل التيتاني، فأقبلت الأيدي بتأثير إرادته القوية وهمته الشماء، تعمل، بكثرة واستمرار، معاول القطع والجرف، في تلك الدمن المتكدسة، فتنزعها وتطرحها في البرك المجاورة - وأخصها بركة الرطلي، وبركة طبالة المستنصر الفاطمي - فتطمها، حتى نظفت منها الجهة ما بين بابي القاهرة الشماليين والفجالة؛ وجففت، في ذات الوقت، تلك البرك التي كثيرا ما كان الفيضان وعدم الاعتناء يحولانها إلى مستنقعات، تتولد فيها جراثيم الأمراض.
وإذا بالموت داهم أبا (إسماعيل) الهمام، وقطع شجرة حياته، وهي في إبان إثمارها فوقف العمل، وفرحت الأوبئة.
अज्ञात पृष्ठ