मशारिक अनवार अल-अकूल
مشارق أنوار العقول
शैलियों
( قوله وإنه لم يجعل استطاعة له الخ) هذا تمام قول الجبرية وذلك أنهم قالوا إن الله جبر الإنسان على فعله ولم يجعل له استطاعة توصله إلى كفره إن شاء كفرا أو طاعة، والاستطاعة عرض يخلقه الله في الحيوان يفعل به الأفعال الاختيارية، وهي عندنا وعند الأشعرية مقارنة للفعل، وعند المعتزلة موجودة قبل الفعل، والخلاف فيها مبني على الخلاف في خلق الأفعال ولا حجة عليهم في قوله تعالى ((إنك لن تستطيع معي صبرا))([4]) ولا في قوله تعالى ((انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا))([5]) إذ لا دليل فيهما على نفيها قبل الفعل فقط بل نفيها محتمل للإطلاق وإنما الحجة عليهم هي الحجة في أن الأفعال خلق لله تعالى، لأن استطاعة العبد أي قدرته لا تصلح لإيجاد شيء لم يوجد وإنما تصلح لاكتساب موجود فقط وهي حادثة، فلا يخلو إما أن تكون حادثة قبل الفعل أو بعد الفعل أو حال الفعل، والقول بأنها محدثة بعد الفعل مخالف للضرورة فينتقل الكلام إلى وجودها قبل الفعل فنقول: إن وجودها قبل الفعل لا يخلو إما أن يكون حال وجود العبد وهذا باطل، لأنا نشاهد بالضرورة أن المولود لا يستطيع على شيء وإما أن يكون حدوثها حال صلاحيته للفعل قبل تمكنه منهن وانفعاله له هذا أيضا باطل، لأنا نشاهد من كان في قوة من يستطيع فعل شيء يحاول فعل ذلك الشيء ولا ينفعل له فلو كانت له قدرة على فعله لفعله ومتى ما بطا هذان الاحتمالان ثبت قولنا وهو مقارنتها للفعل.
(لا يقال) إن عدم انفعال الفعل للقادر على مثله إنما هو لوجود مانع من نفوذ قدرته إليه لا لعدم وجودها أصلا (لأنا نقول) إن ذلك المانع هو الذي دلنا على عدم وجودها إذ لو كانت ثمة قدرة ما منعها شيء وبالجملة فالمسألة ليست من باب الدين وإن تفرعت عن مسألة خلق الأفعال لاحتمال أن تفارقها فيصح لقائل أن يقول بها من غير أن يقول بخلق الأفعال.
पृष्ठ 178