153

मशाहिद ममालिक

مشاهد الممالك

शैलियों

وقد امتازت دمشق بصنائعها القديمة، من ذلك الصيني، وقد زالت صناعته من نحو 200 سنة، والقطع الباقية منه في المتاحف أو دور الأكابر تعد من نفيس الآثار. ومنها الحرائر المعرقة والمقلمة والمخططة، نقلها الإفرنج عن دمشق، فهي تعرف عندهم باسمها (داماس) إلى الآن. ومنها السيوف الدمشقية المشهورة، لم يدرك الإفرنج سرها إلا من نحو 100 سنة، وصناعة الخشب المرصع بالعاج أو بصدف اللؤلؤ، وأشكال النجارة والصياغة بعضها زال وبعضها باق إلى الآن. وأما غوطة دمشق وبساتينها وحدائقها فإنها تعد جنة الله في أرضه، وشهرتها قديمة عمت جميع الأقطار، وأحسن ما فيها الفواكه الكثيرة، وهي على لذتها رخيصة الأثمان، وبعضها مثل أنواع من المشمش والتوت والآس والخوخ والعنب الزيني لا نظير له في سائر الأنحاء.

ومنظر دمشق من الظاهر غير جميل؛ لأن الشوارع ضيقة عوجاء، والأرض غير مرصوصة والأنوار في الليل قليلة. وأما منازل المدينة من داخلها فكثيرة الجمال، ومعظمها على النسق الشرقي؛ أي إن فيه ساحة من حولها الغرف، وفي الساحة أشجار وأغراس وبرك ماء، وقد تكون البرك في داخل بعض الغرف أيضا، والأرض كلها مبلطة بالرخام الجميل، وبعض السقوف والجدران مذهبة أو مزخرفة بفاخر الفسيفساء، حتى إن الإفرنج إذا رأوا بيوت سراة دمشق أذهلهم ما فيها من دقيق الصناعة وبديع الزخارف، مثل منازل سعيد باشا وهولو باشا والبارودي والقوتلي، وفي أكثرها من الصيني النفيس والطنافس الفاخرة، وغير ذلك ما يبهر الأبصار. ولما كان هذا حال دمشق، وهذه آيات جمالها المتوفرة داخل البيوت، فقد اعتاد أهلها قضاء أوقات الفراغ في البيوت أو في الغوطة والمتنزهات الطبيعية المحيطة بالمدينة. وطول هذه المدينة نحو خمسة كيلومترات، وعرضها نحو ثلاثة، وسكانها لا يقلون في هذه الأيام عن ثلاثمائة ألف نفس بوجه التقريب.

وتقسم دمشق إلى عدة أحياء، منها الصالحية والميدان وسوق ساروجة والقميرية وباب توما وهو حي النصارى. وفي هذه المدينة 173 جامعا، أهمها الجامع الأموي المشهور، بناه الوليد بن عبد الملك بن مروان، وقبل أن يبدأ البناء في سنة 88 هجرية جمع إليه النصارى وطلب منهم كنيسة مار يوحنا حتى يضيف أرضها إلى أرض الجامع الجديد، فأبوا واستعانوا بالعهد المعطى لهم من خالد بن الوليد وأبي عبيدة، فلم يعبأ به وأمر بهدم الكنيسة ثم بني هذا الجامع موضعها، وأشغل عشرة آلاف بناء ونقاش وعامل آخر مدة تسع سنين حتى إذا انتهت الزخارف الكثيرة وتمت الفسيفساء المذهبة والقبة الكبرى المعروفة بقبة النسر، كان الجامع آية في حسنه وبهائه، وله منارتان، إحداهما منارة العروسة والثانية منارة مريم، هما من أعجب المنائر زخرفا وشكلا، وقد احترق معظم هذا الجامع سنة 1893، فجمع 80 ألف جنيه أكثرها تبرعات من الناس والبعض من ضرائب فرضت على اللحم، أعادوا البناء بها، وطوله 250 مترا، وعرضه 182.

وأسواق دمشق شرقية الشكل، أكثرها مسقوف وضيق، ولكن فيها سوق الحميدية الجديدة وسوق الخوجة وسوق محمد علي، تعد كلها من الأسواق الحسنة الجديدة. والحمامات في دمشق كثيرة ومشهورة يؤمها خلق كثير، وفيها من الخانات أو الوكالات عدد كبير، أقدمها خان أسعد باشا وخان سليمان باشا. وجوامعها كثيرة أيضا، أهمها بعد الجامع الأموي جامع السنانية وجامع المعلق وجامع درويشية. وأحسن أبنيتها العمومية ديوان الحكومة ودائرة الأراضي السنية وسراي السر عسكرية. وأشهر بناء فيها تاريخي كنيسة مار حنانيا في الباب الشرقي، ومكتبة الظاهر وضريح صلاح الدين الأيوبي، والمدينة تنار الآن بالأنوار الكهربائية، وفيها ترامواي كهربائي، وإليك وصفها على وجه الإجمال:

إن الداخل إلى دمشق من المحطة يمر في المرجة، وهي بقعة شهية سندسية يكسوها العشب الطبيعي، وتأتيها ألوف الناس لقضاء أوقات الفراغ والنزهة على ضفتي نهر بردي الذي يشطرها شطرين، ومن فوقه في هذا المكان عدة جسور، وإلى كل من جانبيه طرق حسناء ومسالك للمارة والخيل والعربات. والنهر هنا يقرب من ترعة الإبراهيمية في مصر بعرضه، تحد مرجته من اليمين والشمال غابات كثيفة من أشجار الحور والدلب والصفصاف. ويليها جامع السلطان سليم المشهور بقباته الكثيرة، ثم ديوان الولاية وسراي الدائرة السنية، فالميدان فبعض الفنادق، وهي أحسن ما في دمشق من نوعها في هذا الميدان، وفيه عمود تذكار سكة الحجاز الحديدية نقش على قاعدته رسوم التلغراف وسكة الحديد وجامع المدينة وبعض الأشعار التركية مذهبة، وقد كتبت بخط جميل. وتبدأ من هذا الميدان السوق الحميدية - التي مر ذكرها - وفي آخرها الجامع الأموي - وقد مر ذكره أيضا - دخلناه وتأملنا رحبته الواسعة الكبرى، ورأينا بناءه قائما على 40 عمودا ضخما وضعت صفوفا، ويمكن لأكثر من 15 ألف رجل أن يصلي في صحن هذا الجامع الكبير، ومحرابه جميل من المرمر الملون لا تشبع العين من النظر إليه. وفي هذا الجامع قبر النبي يحيى (يوحنا)، وله قبة عظيمة عالية على جوانبها أسماء رجال الصحابة، وفي بعض جوانبه آثار الكنيسة السابقة، وكتابات يونانية لم تزل واضحة معنى إحداها «نحمدك اللهم في سائر الأجيال.» وقد ارتقيت المئذنة على 187 درجة، ورأيت الغوطة والمدينة من داخلها كأنها قطعة من الصخر الرمادي في إطار من الزمرد الأخضر الشهي، وذهبت لزيارة قبر السلطان صلاح الدين الأيوبي، ونظرت في الطريق قبر الملك الظاهر بيبرس مغطى بشال من الكشمير، وقد جمعت عنده مكتبة من المؤلفات العربية القديمة على عهد مدحت باشا، وهو أبو الدستور العثماني وأحد ولاة سورية السابقين. أما قبر صلاح الدين فداخل حديقة صغيرة فيها بركة ماء وفوق القبر إكليل وضعه إمبراطور ألمانيا، وقد عقد فيه العلم الألماني والعلم العثماني. ومن هناك سرنا إلى سوق باب البريد، ويليه سوق الدراع وسوق ساروجة وسوق البزورية، حيث تباع الحلويات اللذيذة. وفي أسواق دمشق حركة تجارية كبرى؛ لأن أهل المدينة نحو 300 ألف، ولا يقل أهل الضواحي والنواحي المحدقة بها عن ذلك، وكلهم يشترون حوائجهم من هذه الأسواق. وقد دخلنا بيت أسعد باشا العظم، وهو من المنازل الفخيمة المشهورة في دمشق، فدار حضرة صالح بك، أحد الورثة معنا يشرح لنا مناظره، وما فيه من النفائس المذهبة والزجاج القديم والفسيفساء الجميلة. وقد بني هذا البيت من 180 سنة، ودخلنا أيضا بيت القوتلي، له ردهة فسيحة واسعة مبلطة كلها بالرخام الأبيض النقي، ومنظرها يشرح الصدور وفي وسطها بركة ماء معين، تحيط بها الأغراس وأشكال الزهر وبعض الأشجار، والغرف في دائرة هذه الرحبة، أهمها قاعة الاستقبال بما فيها من فاخر الفسيفساء، وهي تصلح لدور الملوك.

ثم قصدت ضواحي دمشق التي قيل في وصفها نثرا وشعرا ما لم يقل في وصف مكان آخر، فالحق يقال إن غوطة دمشق وضواحيها من أجمل مناظر الأرض. وأشهى متنزهاتها على الإطلاق متنزه الربوة، حيث تمر أنهر خمسة إلى دمشق، وقد ذكرناها قبل الآن. ومنها موضع اسمه الشادروان، ومنها متنزه دمر - وقد مر ذكره أيضا - وكلها متناسقة متشابهة الجمال؛ لأنها مجموع حدائق وبساتين وغياض وجنات تجري من تحتها الأنهار. وزرت الصالحية أيضا، وهي قرية متصلة بدمشق، وقد بنيت على هضبة حسناء، وفيها مصطبة عالية تعرف بمصطبة الإمبراطور؛ لأن إمبراطور ألمانيا وقف عليها حين أتى هذه المدينة ورأى المحاسن منها. وعند رجوعنا من الصالحية مررنا بجنينة الدفتردار، حيث تصدح الموسيقى بالأنغام العربية والتركية ويختلف الناس في الليل والنهار. وقد تجولت في باب توما، وهو حي النصارى، ورأيت ما يليه من البساتين الكثيرة، معظمها داخل أسوار عالية من اللبن أو التراب الممزوج بالتبن. ورأيت هنالك شجرة دلب على مقربة من خان الباشا يقال إن عمرها 300 سنة، فرغ قلبها من إحدى جهاتها، فعمل فيه دكان، وهي نامية بعروقها إلى الآن.

وقد زرت بطركخانة الروم الأرثوذكس في دمشق، وهي بناء واسع داخل حديقة غناء وتشرفت بمقابلة غبطة البطريرك غريغوريوس المشهور بالصلاح والتقوى، ولما انتهيت من مشاهدة ما في دمشق برحتها قاصدا حلب الشهباء.

بين دمشق وحلب

إن المسافة بين المدينتين بسكة الحديد 18 ساعة، فإني قمت في الصباح من دمشق، ولما بلغت محطة رياق انتقلت إلى قطار آخر بلغت به بعلبك بعد 6 ساعات، وبت ليلتي هنالك. وفي الصباح التالي قمت من بعلبك عن طريق حمص وحماة - وقد مر ذكرهما - وكان القطار يسير من حماة إلى محطة قمحانة على ضفاف نهر العاصي، تارة إلى يمينه وطورا إلى يساره. وبعد أن وقف في محطات أم كوكب وأم الرحيم وتل الجن والضويحي تظهر منها جبال أنطاكية وإسكندرونة عن كثب، اقترب من مدينة حلب وجعل يخترق بساتينها المشهورة، وكان أول ما رأينا من مناظرها القلعة القديمة، ومعظم المسافة بين حماة وحلب سهل واسع، أحمر ترابه، كثير خصبه، تزرع فيه الحبوب والخضر على أشكالها، وفيه كثير من الأنعام ترعى وبعض مضارب لقبائل العرب.

وحال وصولنا حلب ركبنا عربة وسرنا في طريق تعرف باسم السكة الجديدة، وهي حديثة ومستقيمة الشكل، إلى جانبيها صفوف الشجر، وفي طرفها نهر قويق، مررنا فوق جسره إلى فندق العزيزية في ضواحي حلب، وهو أحسن ما في هذه المدينة. وحي العزيزية هذا أجمل الأحياء في حلب، فيه منازل بديعة بنيت بالحجر المنحوت، وفرشت بفاخر الرياش لأكابر الحلبيين، وقد زرت بعضهم، فلقيت ما اشتهر من لطفهم ومؤانستهم للغريب.

अज्ञात पृष्ठ