ولأن أبي لم يعد قادرا على عبور الجسر المؤدي إلى عالمي، قررت أن أعبر أنا الجسر إليه. وهناك في داخل حدود عالمه وعقله، وخارج حدود مجتمعنا القائم على الموضوعية والطموح، لا يزال أبي إنسانا محترما؛ فحتى إذا لم يعد - قياسا على معاييرنا العامة - يتصرف بحكمة على الدوام، فإنه عبقري بصورة أو بأخرى.
ذات يوم مرت هرة من خلال الحديقة، فقال أبي: «كان لدي قديما أكثر من هرة، ولكنها لم تكن لي وحدي، كان لي شركاء فيها.»
وذات مرة سألته عن حاله فقال لي: «لا تحدث معجزات، وإنما فقط إشارات.»
ثم استرسل متحدثا بجمل غير مترابطة وغير متوقعة كالتي تدور بخلد الإنسان أحيانا في أحلامه، مثل: «أيضا الحياة دون مشكلات لن تصبح أسهل.»
كان السيد «أوجوست جايجر» مشتهرا بالمرح والحكمة، ولكن للأسف أصبح الكلام يخرج منه في بطء شديد؛ لذلك بات نادرا أن يصدر عنه قول من أقواله التي تدعو للإعجاب والدهشة. كم يؤلمني أن أرى كل تلك الأشياء الجميلة تتبدد، وكأني أراقب والدي وهو ينزف ببطء، والحياة تفارقه قطرة بعد قطرة، والشخصية تنزف من الشخص قطرة بعد قطرة. لكني لا أزال أشعر أن هذا هو أبي؛ ذلك الرجل الذي ساهم في تربيتي حتى صرت رجلا، غير أن اللحظات التي لم أعد أرى فيه صورة أبي الذي كنت أعرفه من الأيام الخوالي راحت تتزايد؛ لا سيما في المساء.
وكانت الأمسيات بشائر لما سيحدث في الأيام التي تليها أو نذرا لها. فمتى حل المساء، حل معه الخوف وهام أبي على وجهه بلا غاية ولا هوادة، وكأنه ملك عجوز في منفاه، وكان كل ما يراه يخيفه، وكل شيء متقلب وغير مستقر، وكأنه سيتفكك في اللحظة القادمة. فلم يكن هناك ما يعطيه الإحساس بأنه في بيته.
كنت أجلس قبل فترة في المطبخ أدون ملاحظات على الكمبيوتر المحمول الخاص بي، والتليفزيون يعمل في غرفة المعيشة، وكان أبي يأتي متسللا على أطراف أصابعه عبر الردهة كلما سمع تلك الأصوات الصادرة من المطبخ، وكان ينصت ثم يهمهم مرارا قائلا: «أنا لا أفهم ما هذا!»
بعد ذلك، أتى إلي في المطبخ وكأنه يريد مشاهدتي أثناء الكتابة، ولكني كنت قد لاحظت أنه يحتاج إلى بعض المساندة.
فسألته: «ألا ترغب في مشاهدة التليفزيون لبعض الوقت؟» «وفيم سيفيدني هذا؟» «بعض التسلية.» «أفضل أن أذهب إلى البيت.» «أنت في البيت.» «أين نحن؟»
ذكرت له اسم الشارع ورقم البيت.
अज्ञात पृष्ठ