لم أكن أريد أن أغادر هذا المكان الجميل الذي لم أعرف صاحبه ومديره من العامل فيه ولا الرئيس من المرءوس ؛ فكل منصرف إلى عمله يجد فيه ويتقنه بوازع من ضمير حي وليس عن خوف من عقاب.
اللهم إذا كان التيار الإسلامي هكذا فأنا أول المنضمين.
فإذا شئتم حزبا يبشر بهذا ويعمل به يخاطب العقل فينا وينهرنا عن الغوغائية فخذوني معكم.
وودعت الناس والمكان وأنا أقول لنفسي: سبحان الله! ما لهذا الدين العظيم يستحيل عند بعض الناس إلى وسيلة قهر وتعذيب واستعباد، في حين أنه في حقيقته، وعند المسلمين حقا وهو هكذا كما رأيت، عنوان للتحضر والرقي الأخلاقي والعلمي والمهني والإيمان العميق الذي لا يتباهى به أحد على أحد ولا يكفر به أحد.
رب ارزقنا بكثير من أمثال هؤلاء الشبان الملتحين في وقار العاملين في جدية العارفين ربهم عن ذكاء ووعي وحب وإيمان عميق.
أجادير في عينيك
أحب الطيران، وأكرهه؛ فالطيران سفر، وللسفر خمسون فائدة، ولكن السفر بالطائرات بالذات يعطيني متسعا كبيرا من الوقت أستطيع أن أتأمل فيه أحوالنا وأحوال نفسي، فإذا زاد هذا المتسع كثيرا وطويلا، وبدا الملل من قلة الحركة وطول الزمن فإنه يصبح عبئا كبيرا على النفس، وما أكاد أسمع ذلك الجرس المخصوص الموجه لطاقم الطائرة والذي يعني الاستعداد للهبوط، حتى أتنفس الصعداء.
والرحلة هذه المرة كانت طويلة جدا، من الرياض في المملكة العربية السعودية إلى المغرب مع توقف ست ساعات في القاهرة، رحلة طويلة جدا، رحت أستعيد فيها ما شاهدته في الجنادرية من طقوس للحياة القبلية القديمة الجميلة، ثم مناقشات الكتاب والمثقفين حول التراث، وها أنا على الغداء أو العشاء أو في الندوات كنت ألمح رجلا وسيما طويلا له مهابة خاصة، وكنت أسأل عمن يكون، فقد كان لا يبدو أنه واحد من كتاب العالم العربي، فجميعهم - المعروفون - أعرفهم، وكذلك لا يبدو أستاذا جامعيا، وفي جلسة ما سألت جاري في الجلوس الصديق والشاعر عبد الله الشيتى أحد قلائل الظرفاء الموجودين في العالم العربي، وما أمتع أن يجلس الإنسان معه ويكون ثالثنا محمود السعدني، تصبح الجلسة متفجرات من الضحكات، ولأننا قليلا ما نضحك هذه الأيام، لست أدري لم؛ فساعة مع محمود السعدني وعبد الله الشيتي نعمة من نعم الله في هذا الطقس العربي المتزمت.
سألت الشيتي عن ذلك الرجل فقال لي: ألا تعرفه؟ إنه وزير الثقافة المغربي. وقدمنا لبعضنا البعض بعد الندوة، وكانت لي مع هذا الرجل قصة غريبة، ولكن قبل أن ننتهي من الجنادرية أحب أن أوضح للقراء لماذا أقطع أعمالي وأصر على الذهاب إلى مهرجان وندوة ثقافية تعقد في الجنادرية (هذه هي السنة الرابعة) ويكون موضوعها الموروث الشعبي والإبداع الفكري والفني؟ ذلك أنني أعتبر أن مناقشة هذه الموضوعات في المملكة السعودية مسألة خطيرة جدا؛ فالمملكة في الآونة الأخيرة - خاصة بعد أحداث الحرم - بدأت تدرك أن الجمود الفكري هو الأرض الخصبة لنمو التعصب والتعنت وضيق الأفق، ولهذا بدأت الدولة «تتقدم» المراكز الفكرية والأدبية السائدة في المملكة، وبدأت تدعو مثقفين من اتجاهات كثيرة وتضعهم وجها لوجه أمام الثقافة التراثية السائدة، وهذه خطوة عظيمة لا شك؛ لأن زحزحة الجسد الرجعي الجاثم على قلب الثقافة السعودية هي زحزحة أيضا لنفس هذه الاتجاهات السائدة في مصر وفي كل أنحاء الوطن العربي؛ ذلك أن السعودية لها وضع ديني وروحي خاص بالأمة العربية، ويصر الكثيرون على خلط المفهومات الإسلامية بالمفهومات الثقافية والفكرية، فتكون النتيجة الجمود التام؛ بمعنى توقف أو توقيف عقل المجتمع عن أن يعمل ويفكر ويتقدم، وزمان قال العقاد: أنا أفكر فأنا مسلم. وللأسف انتهينا هذه الأيام إلى من يقولون أنا لا أفكر، إذن فأنا مسلم حقيقي، ولقد سألني كاتب سعودي ذو لحية بيضاء جليلة: لماذا تنفقون الوقت والجهد في مناقشة هذه الخيالات (يقصد السير الشعبية من سيف بن ذي يزن إلى عنترة وألف ليلة والزير سالم) إنها خيالات، مجرد خيالات؟ لماذا تضيعون وقتكم في مناقشتها؟ قالت له: إذن ماذا تريد منا أن نناقش؟ قال: الحقائق التي حدثت في التاريخ مثل الخلفاء الراشدين ومعاوية وغيرهم من أبطال الإسلام، قلت له: أتعني أن الإسلام الحقيقي ضد الخيال؟ إنك بهذا يا رجل تسلب الإنسان - سواء كان مسلما أو غير مسلم - أعظم موهبة منحها الله له ، وهي القدرة على التخيل وتجسيد هذا الخيال في أعمال فنية، إن الحيوان لا خيال له، إنه لا يرى إلا ما أمامه فقط، وهو لا يستطيع أن يتخيل أبدا شيئا غير ما يراه رأى العين، أما المخ البشري ففيه مراكز هائلة للتخيل، نعمة من الله، لولاها لأصبحنا سائمة أو كالسائمة.
وسؤال ذلك الكاتب السعودي لم يأت من فراغ؛ فهناك مدرسة بأكملها في العالم العربي وفي السعودية على رأسها الأستاذ عبد الله بن إدريس رهيبة السطوة على النفوس واشتراكها في تلك الندوات إنما يهدف إلى تغليب الجانب القائل بالتمسك التام بالموروث وبكل ما صنعه الآباء والأجداد، وعدم التحرر منه لشعرة، وإلا فقدنا لغتنا العربية وفقدنا بالتالي إسلامنا، وكأننا إذا أعطينا إنساننا الحديث أو مثقفا حرية الحركة، وأبحنا له أن يخرج على تعاليم الآباء والأجداد والموروث فإنه حتما سيضل وسيضيع، معاذ الله.
अज्ञात पृष्ठ