माकुल और ना माकुल हमारी बौद्धिक परंपरा में
المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري
शैलियों
كان المدار في الأحكام عند إخوان الصفا هو البراهين العقلية وحدها، ومن ثم لم يكونوا - بالطبع - ممن يرضى عنهم كثيرون؛ لأن الكثيرين، بل لعلها الكثرة الغالبة من البشر تقلقلها أحكام العقل، ويرضيها أن تلوذ بالعاطفة والإيمان وما إليهما، نقول ذلك عنهم بالرغم من أنهم كانوا مصدر إيحاء في أمور كثيرة عند فرق كثيرة في العالم الإسلامي بعد ذلك؛ كالباطنية، والإسماعيلية من هؤلاء بصفة خاصة.
لكن الذي يستوقفنا منهم هو إصرارهم على النظرة العقلية الحسية، إصرارا يكاد يسلكهم في تيار واحد مع أوغل المدارس الفلسفية في عصرنا هذا نزوعا نحو تأسيس المعرفة الصحيحة على إدراك الحواس فإدراك العقل بناء على ما تدركه الحواس في دنيا التجربة؛ يقولون في البراهين العقلية ومنزلتها: «اعلم أن البراهين هي ميزان العقول، كما أن الكيل والذرع والشاهين موازين الحواس، وكما أن الناس إذا اختلفوا في حزر شيء وتخمينه من الأشياء المحسوسة، رجعوا إلى حكم الكيل والذرع ورضوا بها، وارتفع الخلف من بينهم، فهكذا العقلاء الذين يعرفون البراهين الضرورية إذا اختلفوا في حكم شيء من الأشياء التي لا تدرك بالحواس، ولا تتصور بالأوهام، رجعوا عند ذلك إلى دليل وبرهان وما ينتج من المقدمات الضرورية، وأقروا بها وقبلوها، وإن كانت لا تدركها الحواس ولا تتصورها الأوهام» (ج3، ص403). وهكذا كان الإخوان من الحيطة بحيث تركوا للفكر هامشا ربما جاوز التجربة الحسية، فعندئذ يكون البرهان العقلي دليلنا.
لكن هذه الحيطة قليلة الأثر في نظرتهم العامة التي هي نظرة تجريبية في أساسها، نظرة قد تنادي بها اليوم فتجد من الناس مقاومة وازورارا، من ذلك قولهم في صراحة: إن البدن هو وسيلة الإدراك، حتى في دنيا المعقولات، فيقولون في ذلك: «... نبدأ أولا بذكر القوى الحساسة الخمس، إذ كانت هي أول قوى النفس التي ينال بها الإنسان العلوم والمعارف، ثم نذكر القوة المتخيلة التي مسكنها مقدم الدماغ، ثم القوة المفكرة التي مسكنها وسط الدماغ، ثم القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ» (ج3، ص404). ولكي يؤكدوا لك أن الأمر كله مرهون بوظائف الأعضاء؛ يستطردون في القول: «ثم اعلم أن الناس متفاوتون في الدرجات في هذه القوى بين الجودة والرداءة في إدراكهم المعلومات، تفاوتا بعيدا، وهي أحد أسباب اختلافهم في الآراء والمذاهب؛ وذلك أن من الناس من يكون حاد البصر، يرى الأشياء الصغيرة البعيدة، ومنهم من يكون دون ذلك، ومنهم من لا يبصر شيئا البتة، وهكذا نجد حالهم في القوة السامعة ... وعلى هذا القياس يكون حكمهم في سائر قوى حواسهم من الذوق واللمس والشم، وهكذا حكمهم في ذكاء نفوسهم وجودة قرائحهم وصفاء أذهانهم ...» (ج3 ، ص405).
فماذا تريد من فيلسوف تجريبي أكثر من أن يرد لك اختلاف الناس في مذاهبهم إلى اختلاف درجات حواسهم في الإدراك؟ يقولون: «اعلم أن هذه التفاوتات ... في إدراك صور المعلومات، علتها ... اختلاف أدواتها، واختلاف آلاتها في الجودة والرداءة؛ وذلك أنه لما كان كل عضو من الجسد هو آلة وأداة لقوة من قوى النفس، وكانت أعضاء الجسد مختلفة الهيئات المتفاوتة في الجودة والرداءة في بعض الناس أو في بعض الأحايين، اختلفت أفعال هذه القوى بحسب تلك الاختلافات، مثال ذلك «الحدقتان» فإنهما عضوان من الجسد، وهما أداتان للقوة الباصرة، فإذا كانتا سليمتين من الآفات العارضة ... تراءت فيهما صور المرئيات المقابلات لهما، كما يتراءى في المرايا صور الأشياء المقابلة لها، فأدركت هذه القوة تلك المبصرات على حقائقها ... وهكذا أيضا القوة السامعة ... وهكذا أيضا القوة الشامة ... وهكذا أيضا القوة الذائقة ... وهكذا أيضا القوة اللامسة ... وهكذا أيضا حالات القوة المتخيلة، فإنه متى كان مقدم الدماغ معتدلا سالما من الآفات، تخيلت فيه رسوم المحسوسات التي أدتها إليها القوة الحساسة بحقائقها ... وهكذا أيضا حكم القوة المفكرة المستنبطة وسط الدماغ، متى كان معتدلا على الأمر الطبيعي سالما من الآفات العارضة كان فكر الإنسان ورؤيته وتمييزه وفهمه على ما ينبغي ...» (ج3، ص405-407). «النفس هي مزاج البدن» (407)، «أما الإلهيون فيرون خلاف ذلك» (408). أرأيت إذن إلى أي حد أراد إخوان الصفا أن يقفوا عند «البدن» وحده، بما فيه من أعضاء للحس وأجزاء للدماغ؟ فهذه وحدها هي أدوات المعرفة، إذا اختلفت قدراتها عند أفراد الناس اختلفت بالتالي معلوماتهم، ثم اختلفت آخر الأمر عقائدهم ومذاهبهم.
ولقد يقال لهم ما يسارع أغلب الناس عادة إلى قوله، وهو أن الحواس قد تخدع، فترى حقا ما ليس بحق، فكيف نجعلها مصدر العلم؟ وللتجريبيين المعاصرين لنا دفع لهذا الرد، وهو أن الحواس لا تخطئ أبدا فيما تراه أو تسمعه، وإنما يجيء الخطأ من أحكامنا التي نرتبها على ما تدركه الحواس، نقول مثلا: إن العين ترى قرص الشمس صغيرا مع أنه في حقيقته عالم ضخم، والجواب على ذلك هو: إن قرص الشمس في رؤية العين هو صغير كما تراه، فإذا عن لك أن تستدل من هذه الرؤية البصرية حكما عن حجم الشمس في حقيقتها الخارجية، فأنت الذي أخطأ (راجع ما يقوله في ذلك الفيلسوف الإنجليزي المعاصر «آير» في كتابه «أسس المذهب التجريبي»). وإنما سقت للقارئ هذه اللمحة عن فيلسوف معاصر، لأعقب عليها بما قاله إخوان الصفا في خداع الحواس؛ ليتبين كم كانوا تجريبيين في مذهبهم الفلسفي بروح تكاد تكون شبيهة بالتجريبيين المعاصرين، يقولون: «اعلم أن لكل حاسة مدركات بالذات ومدركات بالعرض، وهي لا تخطئ في مدركاتها التي لها بالذات، وإنما يدخل عليها الخطأ والزلل في المدركات التي لها بالعرض، مثال ذلك البصر، فإن الذي له من المدركات بالذات هي الأنوار والظلمة، وهي لا تخطئ في إدراكها في جميع الأوقات البتة، فأما إدراكها الألوان والأشكال والأوضاع والأبعاد والحركات وما شاكلها فهي تدركها بتوسط النور والضياء على الشرائط التي ذكرناها، وقد يدخل عليها الخطأ والزلل في ذلك إذا نقصت الشرائط التي تحتاج إليها ... ثم اعلم أن لكل قوة من هذه الحواس الخمس خاصية ليست للأخرى، ولكن الخاصية التي تعمها هي أنها لا تخطئ في مدركاتها إذا تمت شرائطها، ولم يعرض لها عائق، وخاصة أخرى: أنها لا تدرك كل واحدة منها محسوسات أخواتها التي لها بالذات، مثال ذلك البصر؛ فإنه لا يدرك الأصوات ولا الروائح ولا الطعوم، وهكذا أخواتها، ولكن بما تشترك في المحسوسات اللاتي لهن بطريق العرض مثل الحركة، فإنها تدرك وتعلم بالبصر واللمس والسمع جميعا» (ج3، ص411-412).
تجريبيون حسيون ماديون هؤلاء الإخوان في تصورهم لعملية المعرفة كأشد ما يكون التجريبيون اعتمادا على مادة الأبدان وخصائصها، يقولون: «العلة في تفاوت الناس في القدرة على التصور الذهني ليست من اختلاف جواهر نفوسهم، ولكن من أجل اختلاف تركيب أدمغتهم واعتدال أمزجتها أو فسادها وسوء مزاجها» (ج3، ص418).
ونمضي مع إخوان الصفا في حديثهم الممتع هذا، الذي هو جدير بأن يذكر لمعاصرينا - لا أقول من عامة الناس - بل لمعاصرينا من الأجلاء أساتذة الفلسفة في الجامعات، الذين شالوا الدنيا وحطوها من الغضب حين ساير كاتب هذه الصفحات شعبة من الفلسفة المعاصرة أرادت أن تقصر المعرفة العلمية على الحواس فالعقل، فهم حريصون على أن يكون للغيب المبهم المجهول من طبيعة الإنسان كل الأثر في علم الإنسان ، حتى إذا كان هذا العلم علما بالطبيعة! ... نمضي مع هؤلاء الإخوان في حديثهم عن تحليل المعرفة ومصادرها، فهم يقولون: أما تحكيم القوة المفكرة فيما ينشب بين العقلاء «من المنازعات والخصومات في الآراء والديانات والمذاهب؛ فهي لا تحكم لأحد بين الخصمين بالصواب ولا بالخطأ إلا بعدما شهد شاهدان من الحواس الخمس، أو نتائج مقدمات جزئية من أوائل العقول.»
آه! هكذا ربما صاح في وجهي أنصار «الجوانية» من أساتذة الفلسفة المعاصرين لنا في مصر بالذات، سوف يقولون: أرأيت؟ إنهم يعلقون العلم أيضا على «أوائل العقول» وهي عبارة يقصدون بها ما قد اصطلحنا نحن على تسميته بالمعرفة «القبلية» (أي المعرفة التي ندركها قبل ممارسة التجربة بحواسنا)، ولما كانت المعرفة القبلية هذه مستقلة عن دنيا التجربة، فهي عندهم دليل على أن الحواس ليست المصدر الوحيد، بل ليست المصدر الهام في تحصيل المعرفة، وأن المعول الأول هو على الصور العقلية الفطرية «الأولانية» التي تكون للعقل بحكم أنه عقل وكفى، وهي هي ما يسميه إخوان الصفا بعبارة «أوائل العقول»، لكن هؤلاء الإخوان لا يتركوننا قبل أن يحددوا ما يريدون بعبارتهم هذه، فيقولون: «ثم اعلم أن كثيرا من العقلاء يظنون أن الأشياء التي تعلم بأوائل العقول مركوزة (أي فطرية) فنسيتها لما تعلقت بالجسم، فهي تحتاج إلى التذكار، ويسمون العلم تذكرا، ويحتجون بقول أفلاطون: «العلم تذكر»، وليس الأمر كما ظنوا، وإنما أراد أفلاطون بقوله: «العلم تذكر» أن النفس علامة بالقوة، فتحتاج إلى التعليم حتى تصير علامة بالفعل، فسمي العلم تذكرا ، ثم إن أول طريق التعاليم هي الحواس، ثم العقل، ثم البرهان، فلو لم يكن للإنسان الحواس لما أمكنه أن يعلم شيئا، لا المبرهنات ولا المعقولات ولا المحسوسات البتة» (ج3، ص424).
إننا لنقرأ لإخوان الصفا النص الآتي، فيخيل إلينا أننا إنما نقرأ نصا مقتبسا من «هيوم» الذي قد يعد أبا للتيار التجريبي كله في فلسفة أوروبا الحديثة والمعاصرة، فاقرأ معي قولهم: «إن كل ما لا تدركه الحواس بوجه من الوجوه لا تتخيله الأوهام، وما لا تتخيله الأوهام لا تتصوره العقول، وإذا لم يكن شيء معقول فلا يمكن البرهان عليه؛ لأن البرهان لا يكون إلا من نتائج مقدمات ضرورية مأخوذة من أوائل العقول، والأشياء التي هي في أوائل العقول إنما هي كليات أنواع وأجناس ملتقطة من أشخاص جزئية بطريق الحواس، والدليل على ذلك: الصبي، لولا أنه قدر أن عشر جوزات أكثر من خمس، أو خشبة طولها عشرة أذرع أطول من أخرى لها ستة أذرع، فمن أين كان يمكنه أن يعلم أن الكل أكثر من الجزء؟» (ج3، ص424).
هكذا يقف إخوان الصفا من رد الأصول العقلية كلها من تصورات عامة إلى ما يطلق عليه أحيانا اسم «البديهيات»، ردها إلى انطباعات حسية تأثرت بها حواس الإنسان بمؤثرات جاءت إليها من مصادر الأشياء الخارجية، وهو موقف قوي صريح، لم نعهده بهذه القوة والصراحة والوضوح إلا في أعلام الفلسفة التجريبية المحدثين والمعاصرين، من «هيوم» إلى «جون ستيوارت مل» إلى أصحاب الوضعية المنطقية في زماننا، فإذا رأينا هذا عجبنا أشد العجب من نفر من الزملاء، سواء فيهم من جعل تدريس الفلسفة في الجامعات العربية حرفته، أو من اكتفى بثقافة عامة، سمعوا من مؤلف هذا الكتاب دفاعا عن موقف كهذا في تحليل المعرفة العلمية، فاتهمه بالكفر من اتهم، وبالجهل آخرون، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء ساعات قلائل يقضونها في قراءة تصلهم بأصول هذه الفكرة وفروعها، فماذا نقول أكثر مما قاله إخوان الصفا في ذلك السياق نفسه من رسائلهم؛ إذ قالوا: «إن أشد بلية على الصناعة [يقصد التخصص العلمي في فرع معين من فروع العلم] وأعظم محنة على أهلها، هو أن يتكلم عليها من ليس من أهلها، ويحكم في فروعها ولا يعرف أصلها، فيسمع منه قوله، ويقبل منه حكمه، وهذا الباب من أجل أسباب الخلاف الذي وقع بين الناس في آرائهم ومذاهبهم، وذلك أن قوما من القصاص وأهل الجدل يتصدرون في المجالس ويتكلمون في الآراء والمذاهب، ويناقضون بعضها بعضا وهم غير عالمين بماهياتها، فضلا عن معرفتهم بحقائقها وأحكامها وحدودها، فيسمع قولهم العوام ويحكمون بأحكامهم، فيضلون ويضلون وهم لا يشعرون» (ج3، ص438).
अज्ञात पृष्ठ