मकारिज क़ुद्स

معارج القدس

प्रकाशक

دار الآفاق الجديدة

संस्करण

الثانية

प्रकाशन वर्ष

١٩٧٥

प्रकाशक स्थान

بيروت

क्षेत्रों
ईरान
•
साम्राज्य और युगों
सल्जूक
مُقَدّمَة فِي مَعَاني الالفاظ المترادفة على النَّفس وَهِي أَرْبَعَة النَّفس وَالْقلب وَالروح وَالْعقل
أما النَّفس فَتطلق بمعنيين أَحدهمَا أَن يُطلق وَيُرَاد بِهِ الْمَعْنى الْجَامِع للصفات المذمومة وَهِي القوى الحيوانية المضادة للقوى الْعَقْلِيَّة وَهُوَ الْمَفْهُوم عِنْد اطلاق الصُّوفِيَّة فَيُقَال من أفضل الْجِهَاد أَن تُجَاهِد نَفسك واليه الْإِشَارَة بقول نَبينَا ﵇ أعدى عَدوك نَفسك الَّتِي بَين جنبيك
وَالثَّانِي أَن يُطلق وَيُرَاد بِهِ حَقِيقَة الْآدَمِيّ وذاته فَإِن نفس كل شَيْء حَقِيقَته وَهُوَ الْجَوْهَر الَّذِي هُوَ مَحل المعقولات وَهُوَ من عَالم الملكوت وَمن عَالم الْأَمر على مَا نبين نعم تخْتَلف أسماؤها باخْتلَاف أحوالها الْعَارِضَة عَلَيْهَا فَإِن اتجهت إِلَى صَوَاب الصَّوَاب وَنزلت عَلَيْهَا السكينات الآلهية وتواترت عَلَيْهَا نفحات فيض الْجُود الإلهي فتطمئن إِلَى ذكر الله ﷿ وتسكن إِلَى المعارف الإلهية وَتَطير إِلَى أَعلَى أفق الملكية فَيُقَال نفس مطمئنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية﴾ وان كَانَت مَعَ قواها

1 / 15

وجنودها فِي حراب وقتال وشجار ونزاع وَكَانَت الْحَرْب بَينهمَا سجالا فَتَارَة لَهَا الْيَد عَلَيْهَا وَتارَة للقوى عَلَيْهَا الْيَد فَلَا تكون حَالهَا مُسْتَقِيمَة فَتَارَة تنْزع إِلَى جَانب الْعُقُول فتتلقى المعقولات وَتثبت على الطَّاعَات وَتارَة تستولي عَلَيْهَا القوى فتهبط إِلَى حضيض منَازِل الْبَهَائِم فَهَذِهِ النَّفس نفس لوامة وَهَذِه النَّفس هِيَ حَالَة أَكثر الْخلق فَإِن من ارْتَفع إِلَى أفق الْمَلَائِكَة حَتَّى تحلى بالعلوم والفضائل النفسية والأعمال الْحَسَنَة فَهُوَ ملك جسماني لارتفاعه عَن الإنسانية وَعدم مشاركته للبشر إِلَّا بالصورة التخطيطية وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى ماهذا بشرا إِن هَذَا إِلَّا ملك كريم
وَمن اتضع حَتَّى صَار فِي حضيض الْبَهَائِم فَلَو تصور كلب أَو حمَار منتصب الْقَامَة مُتَكَلم لَكَانَ هُوَ اياه لانسلاخه عَن الْفَضَائِل الانسانية وَعدم مشاركته للانسان إِلَّا بالصورة التخطيطية وَهَذِه هِيَ النَّفس الأمارة بالسوء
فجلهم إِذا فَكرت فيهم ... حمير أَو كلاب أَو ذئاب
وَهُوَ من الْأنس الْمَذْكُورين فِي قَوْله تَعَالَى ﴿شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا﴾ وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ يَا أشباه الرِّجَال وَلَا رجال فَمثل هَذِه النَّفس ترَاهُ أبدا عبدا لحجر أَو مدر أَو بَهِيمَة أَو ضعينة وَهَذَا هُوَ الَّذِي أخبر الله سُبْحَانَهُ عَنهُ فَقَالَ ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء﴾
أما الْقلب فيطلق أَيْضا بمعنيين أَحدهمَا اللَّحْم الصنوبري الشكل الْمُودع فِي جَوف الْإِنْسَان من جَانب الْيَسَار وَقد عرف ذَلِك بالتشريح وَهُوَ مركب الدَّم الْأسود ومنبع البخار الَّذِي هُوَ مركب الرّوح الطبي الحيواني

1 / 16

وَهَذَا يكون لجَمِيع الْحَيَوَانَات وَلَيْسَ بخاص للانسان وَهُوَ الَّذِي يفنى بِالْمَوْتِ جَمِيع الْحَواس بِسَبَبِهِ
وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي نَحن بصدد بَيَانه هُوَ الرّوح الانساني المتحمل لأمانة الله المتحلي بالمعرفة المركوز فِيهِ الْعلم بالفطرة النَّاطِق بِالتَّوْحِيدِ بقوله بلَى فَهُوَ أصل الْآدَمِيّ وَنِهَايَة الكائنات فِي عَالم الْمعَاد قَالَ الله تَعَالَى ﴿قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ وَقَالَ ﴿أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب﴾
وَقَالَ نَبينَا ﵇ إِن قُلُوب بني آدم كلهَا بَين أصبعين من أَصَابِع الرَّحْمَن الخ وحيثما ورد فِي الشَّرْع الْقلب فيراد بِهِ مَا نَحن بصدد بَيَانه وان أطلق فِي مَوضِع على اللَّحْم الصنوبري فَلِأَنَّهُ مُتَعَلّقه الْخَاص وَأول مُتَعَلّقه كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِن جَوف ابْن آدم لمضغة اذا صلحت صلح بهَا سَائِر الْجَسَد وَإِذا فَسدتْ فسد بهَا سَائِر الْجَسَد الا وَهِي الْقلب
أما الرّوح فيطلق وَيُرَاد بِهِ البخار اللَّطِيف الَّذِي يصعد من منبع الْقلب ويتصاعد إِلَى الدِّمَاغ بِوَاسِطَة الْعُرُوق أَيْضا إِلَى جَمِيع الْبدن فَيعْمل فِي كل مَوضِع بِحَسب مزاجه واستعداده عملا وَهُوَ مركب الْحَيَاة فَهَذَا البخار كالسراج والحياة الَّتِي قَامَت بِهِ كالضوء وَكَيْفِيَّة تَأْثِيره فِي الْبدن ككيفية تنوير السراج أَجزَاء الْبَيْت وَيُطلق وَيُرَاد بِهِ الْمُبْدع الصَّادِر من أَمر الله تَعَالَى الَّذِي هُوَ مَحل الْعُلُوم وَالْوَحي والالهام وَهُوَ من جنس الْمَلَائِكَة مفارق للْعَالم الجسماني قَائِم بِذَاتِهِ على مَا نبين
وَيُطلق أَيْضا وَيُرَاد بِهِ الرّوح الَّذِي فِي مُقَابلَة جَمِيع الْمَلَائِكَة وَهُوَ الْمُبْدع الأول وَهُوَ روح الْقُدس

1 / 17

وَيُطلق أَيْضا وَيُرَاد بِهِ الْقُرْآن وعَلى الْجُمْلَة فَهُوَ عبارَة عَمَّا بِهِ حَيَاة مَا على الْجُمْلَة
أما الْعقل فيطلق وَيُرَاد بِهِ الْعقل الاول وَهُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ بِالْعقلِ فِي قَول النَّبِي ﷺ أول مَا خلق الله الْعقل فَقَالَ لَهُ أقبل فَأقبل ثمَّ قَالَ لَهُ أدبر فَأَدْبَرَ أَي أقبل حَتَّى تستكمل بِي وَأدبر حَتَّى يستكمل بك جَمِيع الْعَالم دُونك وَهُوَ الَّذِي قَالَ الله تَعَالَى لَهُ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خلقت خلقا أعز عَليّ وَلَا أفضل مِنْك بك آخذ وَبِك أعطي الحَدِيث وَهُوَ الَّذِي يعبر عَنهُ بالقلم كَمَا قَالَ ﵇ ان أول مَا خلق الله الْقَلَم فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَقَالَ وَمَا أكتب قَالَ مَا هُوَ كَائِن الى يَوْم الْقِيَامَة من عمل وَأثر ورزق وَأجل فَكتب مَا يكون وَمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة
والاطلاق الثَّانِي أَن يُطلق وَيُرَاد بِهِ النَّفس الإنسانية وَالْإِطْلَاق الثَّالِث أَن يُطلق وَيُرَاد بِهِ صفة النَّفس وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى النَّفس كالبصر بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعين وَهِي بواسطته مستعدة لادراك المعقولات كَمَا أَن الْعين بِوَاسِطَة الْبَصَر مستعدة لادراك المحسوسات وَهُوَ الَّذِي قَالَ رَسُول الله ﷺ فِيهِ عَن ربه عزوجل وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لأكمننك فِيمَن أَحْبَبْت
وَنحن حَيْثُ أطلقنا فِي هَذَا الْكتاب لفظ النَّفس وَالروح وَالْقلب وَالْعقل فنريد بِهِ النَّفس الانسانية الَّتِي هِيَ مَحل المعقولات

1 / 18

بَيَان اثبات النَّفس على الْجُمْلَة
النَّفس أظهر من أَن تحْتَاج الى دَلِيل فِي ثُبُوتهَا فان جَمِيع خطابات الشَّرْع تتَوَجَّه لَا على مَعْدُوم بل على مَوْجُود حَيّ يفهم الْخطاب وَلَكِن نَحن نستظهر فِي بَيَانه فَنَقُول من الْمَعْلُوم الَّذِي لَا يرتاب فِيهِ إِن الْأَشْيَاء مهما اشتركت فِي شَيْء وافترقت فِي شَيْء آخر فَإِن الْمُشْتَرك فِيهِ غير المفترق فِيهِ ونصادف كَافَّة الْأَجْسَام مُشْتَركَة فِي أَنَّهَا أجسام يُمكن أَن يفْرض فِيهَا أبعاد ثَلَاثَة متقاطعة ثمَّ نصادفها بعد ذَلِك مفترقة بالتحرك والادراك فَإِن كَانَ تحركها لأجل جسميتها فَيَنْبَغِي أَن يكون كل جسم متحركا لِأَن الْحَقَائِق لَا تخْتَلف وَمَا يجب لنَوْع يجب لجَمِيع مَا يُشَارِكهُ فِي ذَلِك النَّوْع وَتلك الْحَقِيقَة وان كَانَ لِمَعْنى وَرَاء الجسمية فقد ثَبت على الْجُمْلَة مبدأ للْفِعْل فَذَلِك المبدأ هُوَ النَّفس إِلَى أَن يتَبَيَّن انه جَوْهَر أَو عرض مِثَال ذَلِك أَنا نرى الْأَجْسَام النباتية تغتذي وتنمو وتولد الْمثل وتتحرك حركات مُخْتَلفَة من التشعيب والتعريق فَهَذِهِ الْمعَانِي ان كَانَت للجسمية فَيَنْبَغِي أَن تكون جَمِيع الْأَجْسَام كَذَلِك وان كَانَت لغير الجسمية بل لِمَعْنى زَائِد فَذَلِك الْمَعْنى يُسمى نفسا نباتية ثمَّ الْحَيَوَان فِيهِ مَا فِي النَّبَات ويحس ويتحرك بالإرادة ويهتدي إِلَى مصَالح نَفسه وَله طلب لما ينفع وهرب عَمَّا يضر فنعلم قطعا أَن فِيهِ معنى زَائِدا على الْأَجْسَام النباتية ثمَّ نجد الانسان

1 / 19

فِيهِ جَمِيع مَا فِي النَّبَات وَالْحَيَوَان من الْمعَانِي ويتميز بادراك الْأَشْيَاء الْخَارِجَة عَن الْحس مثل أَن الْكل أعظم من الْجُزْء فيدرك الجزئيات بالحواس الْخمس وَيدْرك الكليات بالمشاعر الْعَقْلِيَّة ويشارك الْحَيَوَان فِي الْحَواس ويفارقه فِي المشاعر الْعَقْلِيَّة فَإِن الانسان يدْرك الْكُلِّي من كل جزئي وَيجْعَل ذَلِك الْكُلِّي مُقَدّمَة قِيَاس ويستنتج مِنْهُ نتيجة فَلَا الادراك الْكُلِّي يُنكر وَلَا الْمدْرك لذَلِك يجْحَد وَلَا الْعرض وَلَا الْجِسْم الْقَابِل لعرض وَلَا النَّبَات وَلَا الْحَيَوَان غير الانسان يدْرك الْكُلِّي حَتَّى يقوم بِهِ الْكُلِّي فينقسم بأقسام الْجِسْم إِذْ الْكُلِّي لَهُ وَحده خَاصَّة من حَيْثُ هُوَ كلي لَا يَنْقَسِم الْبَتَّةَ فَلَا يكون للانسان الْمُطلق الْكُلِّي نصف وَثلث وَربع فقابل الصُّورَة الْكُلية جَوْهَر لَا جسم وَلَا عرض فِي جسم وَلَا وضع لَهُ وَلَا أَيْن لَهُ فيشار إِلَيْهِ بل وجوده وجود عَقْلِي أخْفى من كل شَيْء عِنْد الْحس وَأظْهر من كل شَيْء لِلْعَقْلِ فَثَبت بِهَذَا وجود النَّفس وَثَبت على الْجُمْلَة أَنه جَوْهَر وَثَبت أَنه منزه عَن الْمَادَّة والصور الجسمانية
تَقْسِيم يظْهر فِيهِ مباديء الْأَفْعَال
فَنَقُول كل مبدأ يصدر مِنْهُ فعل فاما أَن يكون لَهُ شُعُور بِفِعْلِهِ أَو لم يكن فان لم يكن لَهُ شُعُور فَأَما أَن يكون فعله متحدا على نسق وَاحِد وَإِمَّا أَن يكون مُخْتَلفا وَإِن كَانَ لَهُ شُعُور فاما أَن يكون تعقل أَو لم يكن فان كَانَ لَهُ تعقل فاما أَن يكون فعله متحدا على نسق وَاحِد وَإِمَّا أَن يكون مُخْتَلفا فَهَذِهِ خَمْسَة أَقسَام فَمَا كَانَ فعله متحدا وَلَيْسَ لَهُ شُعُور فَذَلِك المبدأ يُسمى مبدأ طبيعيا كَمَا فِي الْأَجْسَام الثَّقِيلَة من الهبوط وَفِي الْخَفِيفَة من الصعُود وان كَانَ فعله مُخْتَلفا وَلَيْسَ لَهُ شُعُور فَهُوَ النَّفس النباتي فان النَّبَات يَتَحَرَّك حركات مُخْتَلفَة

1 / 20

وان كَانَ لَهُ شُعُور وَلَيْسَ لَهُ تعقل فَهُوَ النَّفس الحيواني وان كَانَ لَهُ تعقل وَمَعَ التعقل اخْتِيَار فِي الْفِعْل وَالتّرْك فَهُوَ النَّفس الإنساني وان كَانَ لَهُ تعقل وَفعله على نهج وَاحِد غير مُخْتَلف فَهُوَ النَّفس الفلكي
رسوم النُّفُوس الثَّلَاثَة
فنرسم النُّفُوس الثَّلَاثَة بمراسمها فَإِن شَرَائِط الْحَد الْحَقِيقِيّ مُتَعَذر الْوُجُود هَهُنَا بل وَفِي كل الموجودات
فَنَقُول أما النَّفس النباتية فَهِيَ الْكَمَال الأول لجسم طبيعي آلي من جِهَة مَا يتغذى وينمو ويولد الْمثل
وَأما النَّفس الحيوانية فَهِيَ الْكَمَال الأول لجسم طبيعي آلي من جِهَة مَا يدْرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة
وَأما النَّفس الانسانية فَهِيَ الْكَمَال الأول لجسم طبيعي آلي من جِهَة مَا يفعل الأفاعيل بالأختيار الْعقلِيّ والاستنباط بِالرَّأْيِ وَمن جِهَة مَا يدْرك الْأُمُور الْكُلية
وَقَوْلنَا الْكَمَال الأول أَي من غير وَاسِطَة كَمَال آخر لِأَن الْكَمَال قد يكون أَولا وَقد يكون ثَانِيًا
وَقَوْلنَا لجسم طبيعي أَي غير صناعي لَا فِي الأذهان بل فِي الْأَعْيَان
وَقَوْلنَا آلي أَي ذِي آلَات يَسْتَعِين بهَا ذَلِك الْكَمَال الأول فِي تَحْصِيل الكمالات الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَلَفظ الْكَمَال أولى من لفظ الْقُوَّة لِأَن الْقُوَّة تكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يصدر عَنْهَا من الْأَفْعَال أَو بِالْقِيَاسِ إِلَى مَا تقبله من الصُّور المحسوسة والمعقولة واطلاق لفظ الْقُوَّة عَلَيْهِمَا يكون باشتراك الِاسْم فَيكون الْحَد مُشْتَمِلًا على لفظ مُشْتَرك وَإِن عني بِالْحَدِّ أَحدهمَا كَانَ الْحَد نَاقِصا

1 / 21

وَلَفظ الْكَمَال يَشْمَل القوتين بالتواطؤ فَهُوَ أولى فان قيل إِنَّه صُورَة كَانَ ذَلِك بالاضافة إِلَى الْمَادَّة الَّتِي تحلها فيجتمع مِنْهُمَا جَوْهَر نباتي أَو حيواني
وَلَفظ الْكَمَال بِالْقِيَاسِ إِلَى جملَة الْجَوَاهِر ولاستكمال الْجِنْس بِهِ نوع مُحَصل فِي الْأَنْوَاع وَهُوَ نِسْبَة الْخَاص إِلَى الشَّيْء الْعَام الْغَيْر الْبعيد من جوهره فَهُوَ أولى من لفظ الصُّورَة وَيجب أَن يعلم أَنه إِذا قيل نفس أَي اطلق على صُورَة الْفلك وعَلى صُورَة النَّبَات وَالْحَيَوَان والانسان فَإِنَّمَا يُقَال باشتراك الِاسْم فان النُّفُوس الفلكية لَيست تفعل بآلات وَلَا الْحَيَاة فِيهَا حَيَاة التغذي والنمو وَلَا احساسها احساس الْحَيَوَان وَلَا نطقها نطق الانسان

1 / 22

بَيَان أَن النَّفس جَوْهَر وَذَلِكَ ثَابت من جِهَة الشَّرْع وَالْعقل
أما الشَّرْع فَجَمِيع خطابات الشَّرْع تدل على أَن النَّفس جَوْهَر وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَات الْوَارِدَة فِي الشَّرْع بعد الْمَمَات تدل على أَن النَّفس جَوْهَر فان الْأَلَم وَإِن حل بِالْبدنِ فلأجل النَّفس ثمَّ للنَّفس عَذَاب آخر يَخُصُّهُ وَذَلِكَ كالخزي وَالْحَسْرَة وألم الْفِرَاق وَكَذَلِكَ مَا يدل على بَقَائِهِ على مَا سنبين فِيمَا بعد إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَأما من حَيْثُ الْعقل فَمن وَجْهَيْن وَجه عَام يُمكن اثباته مَعَ كل أحد وَوجه خَاص يتفطن لَهُ أهل الْخُصُوص والانصاف
أما الأول فَهُوَ أَن يعلم أَن حَقِيقَة الانسان لَيْسَ عبارَة عَن الْجِسْم فَحسب فانه انما يكون انسانا إِذا كَانَ جوهرا وَأَن يكون لَهُ امتداد فِي أبعاد تفرض طولا وعرضا وعمقا وَأَن يكون مَعَ ذَلِك ذَا نفس وَأَن تكون نَفسه نفسا يغتذي بهَا ويحس ويتحرك بالإرادة وَمَعَ ذَلِك يكون بِحَيْثُ يصلح لِأَن يتفهم المعقولات ويتعلم الصناعات ويعملها إِن لم يكن عائق من خَارج لَا من جِهَة الانسانية فَإِذا التأم جَمِيع هَذَا حصل من جُمْلَتهَا ذَات وَاحِدَة هِيَ ذَات الانسان فاذا ثَبت بِهَذَا أَن حَقِيقَة الانسان لَا تكون عرضا لِأَن الْأَعْرَاض يجوز أَن

1 / 23

تتبدل والحقيقة بِعَينهَا بَاقِيَة فان الْحَقَائِق لَا تتبدل فَإِذا مَا هُوَ ثَابت فِيك مذ كنت فَهُوَ نَفسك ومايطرأ عَلَيْك وَيَزُول فَهُوَ الْأَعْرَاض
وَأما الْوَجْه الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَان الْخَاص فَهُوَ الَّذِي يصلح لأهل الفطانة وَمن فِيهِ لطف الْفَهم والاصابة فَهُوَ انك إِذا كنت صَحِيحا مطرحا عَنْك الْآفَات مجنبا عَنْك صدمات الْهوى وَغَيرهَا من الطوارق والآفات فَلَا تتلامس أعضاؤك وَلَا تتماس أجزاؤك وَكنت فِي هَوَاء طلق أَي معتدل فَفِي هَذِه الْحَالة أَنْت لَا تغفل عَن إنيتك وحقيقتك بل وَفِي النّوم أَيْضا فَكل من لَهُ فطانة ولطف وكياسة يعلم أَنه جَوْهَر وانه مُجَرّد عَن الْمَادَّة وعلائقها وانه لَا تعزب ذَاته عَن ذَاته لِأَن معنى التعقل حُصُول مَاهِيَّة مُجَرّدَة للعاقل وذاته مُجَرّدَة لذاته فَلَا يحْتَاج إِلَى تَجْرِيد وتقشير وَلَيْسَ هَهُنَا مَاهِيَّة ثمَّ معقولية بل ماهيته معقوليته ومعقوليته ماهيته وَهَذِه نُكْتَة نفيسة عَظِيمَة وستقف عَلَيْهَا ان شَاءَ الله اشرح من هَذَا
ثمَّ الدَّلِيل على صِحَة هَذَا الْبَيَان الْخَاص أَنه لَو لم يكن الْمدْرك والمشعور بِهِ هُوَ حقيقتك أَي نَفسك بل يكون هُوَ الْبدن وعوارضه لَكَانَ لَا يَخْلُو إِمَّا ان يكون الشُّعُور بِهِ جملَة بدنك أَو بعضه وَبَطل أَن تكون الْجُمْلَة لِأَن الانسان فِي الْفَرْض الْمَذْكُور قد يكون غلا عَن جملَة الْبدن وَهُوَ مدرك نَفسه وان كَانَ بَعْضًا مِنْهُ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون ظَاهرا أَو بَاطِنا فان كَانَ ظَاهرا فَهُوَ مدرك بالحس وَالنَّفس غير مدركة بالحس كَيفَ وَنحن فِي الْفَرْض الْمَذْكُور قد أَغْفَلنَا الْحَواس عَن أفعالها وفرضنا أَن الاعضاء لَا تتماس وان كَانَ النَّفس والذات عضوا بَاطِنا من قلب أَو دماغ فَلَا يجوز أَيْضا لِأَن الْأَعْضَاء الْبَاطِنَة انما يُوصل اليها بالتشريح فَثَبت أَن مدركك لَيْسَ شَيْئا من هَذِه الْأَشْيَاء فانك قد لَا تدركها وتدرك ذاتك ضَرُورَة فَمَا ألجئت إِلَى ادراكه ضَرُورَة لَا يكون قطعا مَا لَا يدْرك إِلَّا بِالنّظرِ فاذا ثَبت بِهَذَا أَن ذاتك لَيْسَ من عداد ماتدركه بالحس أَو مِمَّا يشبه الْحس بِوَجْه من الْوُجُوه

1 / 24