मआरिज अमल
معارج الآمال لنور الدين السالمي- حسب الكتب
وأما ثانيا: فقد روي عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الذي يأكل ويشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، وفي رواية عن أنس «أنه نهى عن الأكل والشرب في إناء الذهب والفضة». ففي هاتين الروايتين النص على أن الأكل مساو للشرب في هذا الحكم؛ فهو دليل لأصحابنا في امتناعهم عن ذلك فسقط اعتراض أبي محمد عليهم.
وأما قوله: "وقد يرد الشرع بتحريم الأخف وإباحة الأعظم منه" فمردود؛ لأن ذلك أمر لم يعهد في الشرع، بل المعهود أن الشارع إذا حرم شيئا حرم ما هو أشد منه في ذلك المعنى؛ فإنه تعالى قد حرم التأفيف للوالدين في قوله: {فلا تقل لهمآ أف}، وأجمعت الأمة على تحريم ضربهما لهذه الآية؛ لكونه أشد إيذاء لهما؛ فإذا حرم التأفيف الذي هو أخف أذى من الضرب وجب تحريم الضرب لكونه أشد منه.
وقد حرم الله تعالى أكل أموال اليتامى ظلما بقوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}، فتضييع أموالهم وإتلافها بالظلم أشد من الأكل وهو حرام بإجماع الأمة. وهكذا في جميع ما عرف من أحكام الشارع.
على أنا لا نسلم أن الأكل من الإناء أشد من الشرب منه؛ لأن الأكل إنما يكون بواسطة اليد، والشرب يكون بلا واسطة، والكائن بلا واسطة أشد من الكائن بالواسطة؛ فاندفع توجيه أبي محمد واعترافه بأن الأكل أشد من الشرب.
وما قدمناه من الاعتراض عليه مجاراة على قاعدته في كون الأكل أشد، وقد علمت أن الشرب هو الأشد، والله أعلم.
पृष्ठ 476