ولكن أعمال اليوم لم تترك له متسعا للتفكير في الفتاة ولا في همومها، حتى إذا انقضى اليوم وعاد في المساء إلى خيمته بادر بالذهاب إليها. ولما اقترب منها هذه المرة تردد وترفق ووقف إلى جوارها هنيهة يتأملها في صمت، ثم قال بصوت خفيض: لعلك اليوم أهدأ مما كنت بالأمس.
فلم ترفع إليه بصرها، بل بقيت جالسة ورأسها بين كفيها.
ورأى قريبا منها مائدة صغيرة عليها طعام لم تمتد إليه يد، فقال وهو يتكلف الهدوء والجفاء: هل تريدين أن تموتي جوعا؟
فلم تجبه بحرف، وجعلت تبكي وتحاول كتمان نحيبها. فقرب منها وحاول أن يضع يده على رأسها وهو محترس متلطف، ولكنه ما كاد يلمسها حتى نفرت منه وصاحت به قائلة: أقول لك اتركني ...
فأبعد يده عنها، وتراجع ناظرا إليها لحظة، ثم خرج مسرعا وفي قلبه حزن وقلق.
وقضى ذلك اليوم موزع القلب كئيبا، وصرف أمور الحكم متبرما غاضبا، حتى عجب الناس أن تكون تلك حاله بعد ما أحرز من النصر وما بلغ من المجد والتوفيق. وما انتهى من عمله حتى أسرع إلى سرادقه ووقف هذه المرة مترددا وجلا، قبل أن يذهب إلى خيمة الفتاة. وكانت ما تزال على ما كانت عليه في الصباح، والمائدة الصغيرة عليها عشاء لم تمتد إليه يد .
ونظر إليها مليا ثم قال برفق: أما تكلمينني؟ إنني أرجوك أن تنظري إلي وتنطقي بما يجول في نفسك ولو كان قاسيا.
ثم مد يده إلى رأسها ومسح عليها متلطفا، فلم تثر هذه المرة ولم تغضب ولكنها بقيت ساكنة في مكانها كئيبة.
فجلس إلى جوارها يحاول أن يحادثها، وهي لا تجيب إلا بدمعة تثور بين حين وحين في عينيها فتمسحها بمنديل ثم تعود إلى وجومها وسكونها، فقال لها ولسانه ينم عن مقدار عطفه وحزنه: إنني لا أريد إيلامك، بل إني لا أحب أن أراك متألمة. ولو عرفت أن ألمك يزول بإبعادك عني لفعلت. ألك أهل في عكا أو في مدينة أخرى من المدن فأرسلك إليهم؟
فهزت رأسها وقالت: ليس لي أهل. قد قتلتهم جميعا، ويا ليتني قتلت معهم.
अज्ञात पृष्ठ